وروى الآجري رحمه الله بإسناده عن الحسن قال: (إن كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يُرى ذلك في تخشُّعه وبصره ولسانه ويده وزهده ... [1] .
ورحم الله أيوب السختياني إذ يقول: (ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعًا لله عز وجل [2] .
وحقائق العلم ودقائقه لا ينالها حق العلم إلا المتواضعون المتخشعون، المخبتون المتذللون، والمغرور وإن هملجت بغاله، وعلا صوته وكَثُرَ قاله، فهو عند أولي الألباب والحِجا، ما راح ولا جا!!
حكى الماوردي رحمه الله عن الشعبي رحمه الله أنه قال: (العلم ثلاثة أشبار، فمن نال منه شبرًا شمخ بأنفه وظن أنه ناله! ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله! وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدًا [3] .
وما أحسن قول من قال: (المتواضع من طلاب العلم أكثر علمًا، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماءً [4] .
وسِرُّ هذا القول جلاّه الإمام ابن القيم رحمه الله فقال: (والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة، ثم يُنزل عليها الماء فتهتز وتربو، وتأخذ زينتها وبهجتها، فكذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق، وأما النار فطبعها العلو والإفساد، ثم تخمد فتصير أحقر شيء وأذله، وكذلك المخلوق منها، فهي دائمًا بين العلو إذا هاجت واضطربت، وبين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت، والأخلاق المذمومة تابعة للنار، والخلوق منها، والأخلاق الفاضلة تابعة للأرض، والمخلوق منها، فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل [5] .
وقال الإمام الماوردي رحمه الله: (وقلما تجد بالعلم معجبًا وبما أدرك مفتخرًا إلا من كان فيه مقلًا ومقصرًا، لأنه قد يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره، فأما من كان فيه متوجهًا ومنه
(1) أخلاق العلماء (ص 70) .
(2) السابق، وجامع بيان العلم وفضله (1/ 566) .
(3) أدب الدنيا والدين (ص 73) .
(4) جامع بيان العلم وفضله (1/ 563) .
(5) الفوائد (ص 144) .