والنجاح [1] .
بل دونك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأكرمها منزلة، لما أُعجِبوا بكثرتهم يوم حنين كان ذلك سببًا في هزيمتهم أول الأمر، قال ربنا سبحانه: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) } [التوبة] .
قال الحافظ ابن حجر: (روى يونس بن بكير في زيادات المغازي، عن الربيع بن أنس، قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الهزيمة [2] .
قال الطرطوشي رحمه الله: (القدماء قالوا: الكثرة للرعب والقلة للنصر! وقد قال الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} ، فالكثرة أبدًا يصحبها الإعجاب، ومع الإعجاب الهلاك! [3] .
فانظر إلى هذه الآفة التي لا تكاد تدخل في شيءٍ إلا وتفسده، فهي إذا خالطت المال مَحَقَته! وإذا خالطت العدد والعدة جرَّت على أهلها الهزيمة! ولو كانوا من أهل الإيمان والبأس والشكيمة!! وإذا خالطت العمل الصالح طردت نفعه وثوابَه! وإذا خالطت العلم قطعت عن صاحبه التوفيق وأوصدت بابَه! ووكَلَهُ الله إلى نفسه فَضَلَّ واستحقّ عقابَه!!
وانظر بعد هذا إلى الصفة التي تضاد هذه الآفة كيف حوت الخير، ونال أصحابها من التوفيق والعلم والأجر والنصر الحظَّ الوفير!
قال ابن القيم رحمه الله: (إن خُلْعَةَ النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} ، وقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} فهو سبحانه إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولًا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله
(1) التحرير والتنوير (15/ 315) .
(2) فتح الباري (8/ 27) .
(3) سراج الملوك (ص 179) .