الصفحة 19 من 146

وانكساره [1] .

ولهذا كان من أهم ما يوصى به المجاهدون إذا لقوا عدوهم أن لا يغتروا بما معهم من عدد وعُدّة، ولا قوة وشِدَّة، وكلما فتح الله عليهم فتحا، ومَنَحَهُم مَنْحا، وأوقع في عدوهم بأسًا وقرحا، فهم إلى تلك الوصاة أحوج!

كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه كتابًا لخالد بن الوليد رضي الله عنه وهو في العراق، وقد كسر الله على يديه الأعداء الشداد، وفتح به للمسلمين عددًا من البلاد، ومما قال في كتابه لخالد: (ليهنك أبا سليمان النية والحَظْوَة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عُجْبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تُدِلَّ بعمل، فإن الله له المنّ، وهو ولي الجزاء [2] .

وقد أخرج البزار [3] بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكثر منه، العُجْب!} ، قال المنذري: إسناده جيد [4] .

قال المناوي رحمه الله: (لأن العاصي يعترف بنقصه فترجى له التوبة، والمعجب مغرور بعمله فتوبته بعيدة {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} -إلى أن قال- والعجب يصرف وجه العبد عن الله، والذنب يصرفه إليه، والعجب يُقبل به على نفسه، والذنب يُقبل به على ربه، لأن العجب يُنتِج الاستكبار، والذنب يُنتِج الاضطرار، ويؤدي إلى الافتقار، وخير أوصاف العبد افتقاره واضطراره إلى ربه [5] .

قال ابن مفلح رحمه الله: (وقال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب خير للمؤمن من العُجْب، ولولا ذلك لما ابتلي مؤمن بذنب [6] .

وقال الماوردي رحمه الله: (قال مورق العجلي: خير من العجب بالطاعة أن لا يأتي بطاعة [7] .

وأوضح ابن القيم رحمه الله هذا المعنى بكلام جليل عظيم النفع، وفيه وصفٌ للحال التي ابتلينا بها، كأنما

(1) زاد المعاد (3/ 198) .

(2) البداية والنهاية (9/ 535 - 536) .

(3) مسند البزار (13/ 326) .

(4) الترغيب والترهيب (3/ 358) .

(5) فيض القدير (5/ 331) .

(6) الآداب الشرعية (2/ 209) .

(7) أدب الدنيا والدين (ص 99) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت