ولا والله ما كان المؤمنون إلا أخوف الناس على نفوسهم، قد ملأ قلوبهم الوجل، وما غرّهم ما قدموه من صالح العمل، كما قال فيهم ربنا عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون] .
روى الترمذي [1] بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال:(( لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} ) ).
وبوَّبَ الإمام البخاري في صحيحة: (باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر) .
قال البخاري: (( وقال إبراهيم التيمي:(ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مُكذِبًا) ، وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقولُ إنه على إيمان جبريل وميكائيل) ، ويُذكر عن الحسن: (ما خافه إلا مؤمن، ولا أَمِنَهُ إلا منافق ) ).
قال الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله: (وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن: فقال: ويُذكر عن الحسن قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أَمِنَه إلا منافق، فهذا مشهور عن الحسن صحيح عنه، والعجب من قوله في هذا: ويُذكر، وفي قوله في الذي قبله: وقال ابن أبي مليكة جزمًا [2] .
قال الإمام أحمد في كتاب الإيمان له: حدثنا مؤمل قال: سمعت حماد بن زيد قال: ثنا أيوب قال: سمعت الحسن يقول: (والله ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ولا أمسى على وجهها مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أَمِن النفاق إلا منافق) ، حدثنا روح بن عبادة قال: ثنا هشام قال: سمعت الحسن يقول: (والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلا يخاف النفاق ولا أَمِنَه إلا منافق) ، وروى جعفر الفريابي في
(1) سنن الترمذي (3175) .
(2) قال الحافظ ابن رجب قبل الموضع المنقول عنه: (والأثر الذي ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة، هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار عنه، وفي الصلت ضعف، وفي بعض الروايات عنه، عن ابن أبي مليكة قال: أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات أحد منهم إلا وهو يخاف النفاق على نفسه) .