ولقد استشكل عدي بن حاتمٍ المسألة، لما تلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله -عز وجل-: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} . فقال: يا رسول الله، لم يعبدوهم. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (حللوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فتلك عبادتهم) .
وانظر إلى حال الناس اليوم، وطاعتهم لطواغيت البشر في تحليل الحرام وتحريم الحلال! والعجب العجب! ممن يتحاكم إلى غير كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم يدعي الإسلام! وفي هؤلاء قال الله -عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} ؛ وكل شرعٍ خالف شرع الله -عز وجل- وشرع نبيه - صلى الله عليه وسلم - وحكمهما فهو من حكم الطاغوت.
ولإن نظرت أيضًا لسبل الإصلاح في حياة البشر، لوجدت أن ما شرعه الله -سبحانه وتعالى- في كتابه وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فيه صلاح البشرية وصلاح الفرد، وإنما يصلح الفرد بالمعتقد الصحيح، وبعبادة الله -عز وجل- الصحيحة؛ صلاةً وصيامًا وزكاةً وحجًا، وإنما يصلح العبد بامتثال أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأكثر شيءٍ ثقلًا في ميزان العبد يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق.
وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ ... فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا
فالقرآن الكريم وسيرة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قولًا وفعلًا، تهدي إلى أقوم الأخلاق وأحسنها، مما تسهل وتسعد به البشرية جمعاء؛ وفي الضد بالضد، يوم أن يتنكب الناس لأخلاق رسول الله ولما جاء من أخلاقٍ في كتاب الله؛ يومئذٍ يبدء الشقاء في حياة البشرية، ويومئذٍ تنحدر البشرية في دركات الشقاء والعذاب والضنك، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} .
إن صلاح المجموع إنما يبدأ بصلاح الفرد؛ لأن المجموعة مجموعة أفراد، وإنما يصلح الفرد يوم أن يعبد هذا الفرد ربه، فيمتثل أمره في اعتقاده وعبادته وأخلاقه ومعاملاته وحله وحرامه، يوم أن يصلح العبد في باطنه، فلا يحمل غلًا ولا يحمل حقدًا لا يحمل ضلالًا ولا يحمل شبهًا ولا فسادًا، يوم أن تكون سريرته كما يحب الله وظاهره كما يحب الله، يومئذٍ تسعد البشرية وتصلح المجتمعات، ولكن يوم أن تفسد القلوب؛ فتحمل الشرك في قلبها، وتحمل الزيغ في قلبها وباطنها، وتحمل الحل والأحقاد والكذب والزيغ، وتحمل ما لا يُرضي الله -عز وجل- من أخلاق الشيطان، يومئذٍ حدث عن هلاك البشرية ما تُحدث، وانظر إليها وهي تتقلب في ضنك الحياة وضنك المعيشة، جزاءً وفاقًا؛ لأنها هي التي أعرضت عن كتاب الله، وأعرضت عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.