ما أصابك من حسنةٍ فمن الله وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك؛ فالعبد هو الذي عصا ربه، فجازاه -سبحانه وتعالى- بسيئته فسادًا في حياته وفسادًا في نفسه، فترى الرجل يأكل ويشرب ولكن لا يحس بسعادة؛ لأن قلبه أعرض عن الله -عز وجل-، وأعرض عن هدي القرآن وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذن فصلاح المجموع بصلاح الفرد، وصلاح الفرد بأن يستقيم الفرد على كتاب الله وسنة نبيه، في سره وفي علانيته، في باطنه وفي ظاهره.
و?ن نظرت إلى مما هدى الله والقرآن إلى التي هي أقوم، نظرت كيف أن الله سبحانه جعل المسلمين أمةً من دون الناس، وجعل الرابطة التي تربط بين المؤمنين ليست رابطة الدم ولا الأرض ولا العرق ولا اللون، ولكنها رابطة الإيمان؛ لأن الإنسان لا يملك أن يختار نسبه، ولا يملك أن يختار جنسه، ولا يملك أن يختار لونه وعِرقه، ولكن يستطيع أن يختار دينه؛ وهذا من عدل الله -عز وجل-، فلا يحاسب الناس بما لا يستطيعون.
فحين كان اختيار الدين واختيار سبيل الله ورسوله والمؤمنين هو المستطاع حاسبنا الله عليه، وجعل الالتقاء والولاء والبراء يدور حول هذه النقطة (نقطة الإيمان) ؛ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، فالله -عز وجل- اختار تلك الفئة واختارها بالإيمان والإسلام، ووفقها للإسلام والإيمان واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجعلهم إخوةً متحابين، (المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد، إذا تداعى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، فهذه هي الرابطة التي جعلها الله -عز وجل- بين المؤمنين.
ويوم أن تكون هذه الرابطة، ويوم أن تكون غيرها من شعائر الدين وأوامر الله ورسوله؛ تفعل إيمانًا بأن الله أمر بها، وإيمانًا بأن الله سبحانه هو أعلم بما فيه صلاحنا فنمتثله، واحتسابًا للأجر عند الله -عز وجل-؛ يومئذٍ يزرع الله -سبحانه وتعالى- البركات في صفوف المسلمين والمؤمنين، يوم أن تكون تلك الأخوة وتلك البسمة وذلك اللقاء صادقًا نابعًا من قلب آمن بالله ربًا، وآمن بالقرآن منهجًا وطريقًا لمرضاة الله -عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، يومئذٍ تكون البركات، {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} .
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ؛ إن هذا القرآن الذي أخرج خير أمة للناس، وأخرج رعاة الأمم، الذين ساقوا الناس من ظلمات الكفر والجاهليات إلى عدل الإسلام ونوره وهديه، هذا القرآن الذي ساح في الأرض شرقًا وغربًا، ينشر نور الله -سبحانه وتعالى- في يوم ما، يستحيل أن يكون في زمانٍ آخر مصدر شقاء، ويستحيل أن يكون هذا القرآن في زمنٍ آخر ومكانٍ آخر مصدر ضلال؛ ولكن المشكلة ليست في القرآن، هذا القرآن نفسه الذي جاء به جبريل إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، لم ينقص منه حرف ولم تنقص منه آية، هو نفسه الذي جاء به جبريلٌ -عليه السلام- لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.