الصفحة 160 من 177

جاء خراج العراق إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فخرج -رضي الله عنه- ينظر الخراج، ورأى خيرًا كثيرًا مما فتح الله -عز وجل- به على المسلمين؛ فجعل يقول: الحمد لله. فقال غلامه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} . فقال عمر -رضي الله عنه-: كذبت، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ؛ وانظر -يرحمك الله- إلى فهم السلف، ذلك الفهم الذي جعلهم أهلًا لأن تنزل عليهم الانتصارات والفتوحات وخيرات الدنيا. (قال: كذبت) ؛ ليس هذا مما يفرح به الإنسان؛ لأن هذا يزول وينتهي، ولكن الذين يفرح به الإنسان هو الإسلام، الذي فضلنا الله -عز وجل- به عن سائر البشر، على اختلاف نحلهم وشركهم وزيغهم.

الذي ينبغي أن يفرح به الإنسان؛ أن يكون مؤمنًا ولا يكون كافرًا، أن يكون طائعًا لله -عز وجل- ولا يكون عاصيًا، يزني ويشرب خمر ويكذب ويسرق ويقتل بغير حق، أن جعلك الله مستقيمًا ولم يجعلك كافرًا، لم يجعلك نصرانيًا ولا مجوسيًا ولا مشركًا بوذيًا، جعلك مسلمًا. هذا ليس بشطارتك أبدًا، إنما هو توفيق الله سبحانه، ولإن شاء أن ينزع منك الإيمان لنزعه، كما نزعه من كثير من الناس، ولو شاء الله أن يضلك لأضلك كما أضل الميارات من البشر، ولكن رحمة الله سبحانه جعلك من المسلمين، جعلك من المصلين، جعلك من المجاهدين في سبيل الله -عز وجل-.

يوم أن قعد العلماء عن الجهاد، فاختارك أنت أبسط الناس أن تكون مجاهدًا في سبيل الله -عز وجل-؛ تبذل روحك وشبابك وصحتك وقوتك من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وذلك فضل الله -عز وجل- يؤتيه من يشاء، فإياك أن تغتر، وإياك أن تمتن على الله -عز وجل-، فليست القضية شطارة، إنما هو فضل الله -سبحانه وتعالى-؛ فأدم السجود وأدم الركوع وأدم الدعاء؛ أن يحفظ الله عليك إيمانك ودينك وجهادك، وأن يختم لك بالباقيات الصالحات.

قال عمر: كذبت، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ، فهذا فهم السلف وهذا فهم الصحابة، لم تكن الدنيا تعدل عندهم شيئًا، وكما جاء في الحديث: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء) ، الدنيا حقيرة وتزول، ولكن الذي يبقى هو الأجر، تبقى الحسنات والسيئات؛ يوم كان السلف على هذا الفهم، والقيمة عندهم للمبادئ والأخلاق والقيم والدين، يومئذٍ أعزهم الله -عز وجل-، الدنيا تأتي تبع، والمال يأتي تبع، والانتصارات والفتوحات تأتي تبع، أما الأصل أن تكون عبدًا لله -سبحانه وتعالى-.

ما الفائدة -يرحمك الله-؟ افتح الدنيا واكسب الدنيا بما فيها، ويوم القيامة تأتي عند الله -عز وجل فيُعرِفك النعم؛ فتقول: ربي جاهدت فيك حتى قُتلت، فتحت الدولة الفلانية، وقتلت الكافر الفلاني،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت