يمكن أن يلتقي الحق والباطل في منتصف الطريق، بل إنَّ الحديث عن التعايش السلمي المزعوم حديث لتخدير أهل الحقِّ عن الحقيقة، ممَّا يوجب على من أراد أن ينصر الإسلام حقًّا أن يضع في الحسبان ساعة النزال ويعدَّ لها عدَّتها؛ عدَّة الحجة وعدَّة الحديد، كتاب يهدي وسيف ينصر، فالباطل لا يقف موقف المتفرج على طول الخط.
كذلك ممَّا قررته نصوص الشريعة وأحداث التاريخ: أنَّ الأرض لا تصلح بالفساد والمفسدين، فأمَّة تريد العزَّة والكرامة ونيل رضا الله سبحانه وتعالى يجب أن تعزم عزمةً لا رجعة فيها على أن ترمي بمن أفسدوا دينها ودنياها في مزبلة التاريخ.
انتشار الفساد وغلبته إنَّما هو بقيادة أهل الفساد لهذا العالم، ونمو الخير إنَّما يكون أيضًا بقيادة أهله -أهل القوة والأمانة- لهذا العالم، ومن ثم فمصادمة فراعنة العالم -الملأ المتغلبين- من أجل إزالتهم وتوسيد هذه القيادة لأهلها من أهل الصدق والأمانة والقوة إنَّما هو من أعظم العبادات ذاتًا وسببًا: من أعظمها ذاتًا؛ لعظيم أمر الله عزَّ وجلَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وسببًا؛ لأنَّه وسيلة لإزالة هؤلاء المفسدين الذين أفسدوا دنيا الناس ودين الناس، وتوسيد الأمر لأهل الخير، وفي ذلك الخير على التوحيد وأهله، بل وعلى العالم أجمع مؤمنهم وكافرهم.
إخوة الإسلام؛ حركة الإنسان على ظهر الأرض وعلاقاته الاجتماعية إنَّما تخضع لقوانين وسنن مضطردة تدل على وحدة الخالق سبحانه، من هذه القوانين: قوانين بناء الأمم وانهيارها، وصعود الدول وسقوطها، ووحدة الشعوب وتشرذمها، والإصلاح والتغيير، وعشرات السنن الكونية المضطردة.
والأمَّة -أيَّة أمَّة- لكي تنهض لا بدَّ لها من شروط محددة لا تتخلف، لا بدَّ أن تتوفر هذه الشروط وتنتفي الموانع من طريق نهضتها، ومن أجل هذه النهضة والمحافظة عليها وحسن استثمارها لا بدَّ من التقيُّد أيضًا -التقيُّد الصارم- بالسنن والشرعية والكونية على حدٍّ سواء.
ومن السنن التي لا تتخلف: أنَّ عزة المسلمين مربوطة بتمسكهم بدينهم؛ فنحن نعتز بمفاخر أسلافنا التي خطَّت أمجادها بكتاب الله وسيف ينصر هذا الكتاب. ويوم أن حاد المسلمون عن دين الله سبحانه ومنهج خلافته انحدروا من تلك الدرجة التي رفعها الله إليهم بالإسلام إلى هذه الدركة التي هم فيها الآن، بل قد تماروا بالنذر فسلَّط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم، مُحيت معالم الخلافة خلافة التوحيد والعبودية لله، وعاد الناس يستعبد بعضهم بعضًا، يسنُّون قوانين ويضعون شرائع ما أنزل الله بها من سلطان، وحقَّ فينا قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله: أومِن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام:"بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل"، غثاء لا منفعة فيه ولا غَناء، نزع الله منَّا البأس على