أعدائنا ونُزعت الرهبة في عدونا منَّا، زالت أهليَّتنا للتمكين فأخذ الله أمانته الغالية المتمثلة في الخلافة ليستدير التاريخ من جديد وتبدأ الأمَّة الإسلامية كما بدأ نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته، تحاول لتبدأ المعركة من جولتها الأولى، جولة سيطرة الطاغوت الحاقد المتسلِّط على رقاب المسلمين بكل ما تحويه كلمة السيطرة من استضعاف وإذلال وتعذيب وتنكيل وإفساد، ليجتاز المسلمون مرحلة التأهيل الصعبة كما اجتازها سلفهم رحمهم الله.
إخوة الإسلام؛ الكل يرى ويتابع ما نحن عليه معشر المسلمين من انحطاط في الخلق، وفساد في العقيدة، وجمود في الفكر، وقعود عن العمل، وانحلال في الوحدة، وتعاكس في الوجهة، وافتراق في السير، بل خارت النفوس، وفترت العزائم، وماتت الهمم، وتوارت الآلام في صدور الرجال، واستولى القنوط واليأس المميت على الكثير من المسلمين، فأحاطت بنا الويلات وانصبت علينا المصائب من كل حدب وصوب، وصلنا من الانحطاط إلى قراره، ولم تبق في التدلي دركة أخرى نخشى أن ننحدر إليها ومن الشجاعة اليوم أن نعترف أنَّ ما أصابنا إنَّما هو بما كسبت أيدينا (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) وما ربُّك بظلام للعبيد، وكي نخطو هذه الخطوة نحو التغيير لا بدَّ أن نتخلَّص أولًا من السذاجة والبساطة في تقييم الأحداث؛ البساطة التي تجعل الرؤية غير واضحة ويُبنى على تلك الرؤية استراتيجيات فاشلة بسبب التقييم السطحي.
كما ينبغي علينا أيضًا أن نتنزَّه عن التبرير وعدم الجرأة على مراجعة الأخطاء ممَّا يجعل كثيرًا من هذه الأخطاء تتكرر بل تتراكم لتشكِّل حملًا ثقيلًا على عاتق الأمَّة وأجيالها القادمة. المسلمون لما سقطوا في عقلية التبرير عوقبوا بالمسخ بين الأمم حتى أصبحوا أمَّة ممزقة لا سيادة لها، لا يُهاب لها جانب، بل ولا تستشار في أمورها، وليكن لنا -معشر المسلمين- في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه ورفيقيه الذين لم يبرروا لأنفسهم ما ارتكبوه من تقصير في التخلف عن غزوة تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل غيرهم من المنافقين، وكانت النتيجة لهذه الجرأة قرءانًا يذكر قصتهم وتوبتهم رضي الله تعالى عنهم إلى يوم الدين، والحياة مواقف كما يُقال.
إنَّ ما أصابنا من ذلٍّ وهوان سببه داخلي قبل أن يكون خارجيًّا، إنَّ السبب هي قابلية الخضوع وقابلية الخنوع التي تكبر مع الزمن في ظل غلبة الشهوات والانقياد لحبِّ الدنيا ومتاعها الزائل، كما قال سبحانه عن شياطين الإنس والجن: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) ، وهذه هي حقيقة الحياة بين المستكبر والذليل؛ فإنَّه لا يقبل أحد الذل إلا وهو مستمتعٌ به، وهو ملائم لنفسه الخانعة الجاهلة، وأي طاغية أيضًا لا يبسط سيطرته ولا يتسلط على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير صرعى؛ صرعى الشهوات والمطامع، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحقِّ وعدم الالتفات إلى هدي الله سبحانه والتمسك بحبله.