ومع قابلية الخنوع والخضوع ينتشر الخمول، وتنتشر الأنانية والتواكل والتخاذل، والفهم السيء للقضاء والقدر، والفهم السيء لحقيقة أولي الأمر وطاعتهم، وفهمًا سيئًا لحقيقة الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ إلى غير ذلك من المفاهيم المختلة والأمراض التي لا تساعد على تعبئة الأمَّة وتعبئة الطاقات لمواجهة العدو المشترك.
عند هذه الحال؛ حال تسلط الحاكم وخضوع المحكوم تصبح حركة الأمَّة موجهة لغرس مفهوم الذلِّ في النفوس، فالقوانين والعادات والثقافة والأجهزة والقنوات الإعلامية كل ذلك يسير في اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذلِّ والخنوع، ونشر ثقافة الخوف، وتجريد الأفراد من كل معاني العزَّة والأنفة.
وأيضًا، وكل من تسوِّل له نفسه أن يفكِّر -ولو تفكيرًا بصمت- بطريقة تخالف منطق الاستبداد والقهر المنتشر في المجتمع فضلًا عن أن يستخدم حقَّه في التفكير عاليًا والتعبير عن قناعاته بشكل يتعارض ونيَّة القاهرين والمستبدين يؤخذ بالشدة والعنف ويحارَب في رزقه وحريته وسمعته، أمَّا عامَّة الناس .. إذا كان هذا حال النخبة فعامة الناس شعارهم: (انجُ سعدًا فقد هلك سعيد) ، وكما قال الشاعر:
أرى كلّنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصًا عليها مستهامًا بها صبًّا
فحبُّ الجبان النفسَ أورده البقا ... وحبُّ الشجاع الحربَ أورده الحربَ
بعدما وصلنا إليه من دركات الهوان وتسلط أراذل الناس علينا، هل ترانا معشر المسلمين نقيم على هذه الحالة المخزية أو أن نرتفع إلى المنزلة التي أهَّلنا الله لها بالإسلام؟
إنَّ الله عزَّ وجلَّ حكم فقال وهو أصدق القائلين وأعدل الحاكمين: (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) ، إنَّ البشائر تدل على أنَّنا اخترنا الثانية أي أن نغيِّر ما بأنفسنا، وإنَّ المخايل تنبِّئ بأنَّ بذور الخير تنبَّهت فينا، وإنَّ الشريعة التي رفعت سلفنا توشك أن تخالط منَّا نفوسًا خدَّرتها أحداث لم تصل بها إلى الموت، وأنَّ تلك النفحات التي هبَّت على القلوب الغلف فحرَّكتها، وهبَّت على العيون العمي ففتحتها، قد داعبت نفوسنا فبدأنا نشعر وبدأنا نحس، وأصبحنا نعي ونفكر، وإنَّ التفكير هو أول مراتب العمل.
لقد جربت الأمَّة الإنسانية زبالات عقول البشر فلم تزدها إلا فقرًا وهوانًا وفسادًا وبعدًا عن شريعة الرحمن، وآن الأوان لهذه الأمَّة المغلوبة أن تتوب إلى الله عزَّ وجلَّ وأن تحتكم لشريعة الله (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا) .