في شريعة الله وحدها ما يرفع أخلاقنا من درك الانحطاط، ويطهِّر عقيدتنا من الزيغ والفساد، ويبعث عقولنا على النظر والتفكير، ويدفعنا إلى كل عمل صالح، ويربط وحدتنا برباط الأخوة، ويسير بنا في طريق واحد مستقيم، ويحيي منَّا النفوس والهمم والعزائم، ويصيِّرنا حقًّا خير أمَّة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
إنَّ مقصود المسلمين عمومًا، ومقصود المجاهدين خصوصًا؛ أن يتحقَّق الخير والصلاح ويسود الحقُّ والعدل والإحسان، وذلك -طبعًا- لا يكون بشكله الكامل إلا في ظل تحكيم شريعة الله وفي ظل دولة الإسلام التي ننشدها في جميع بلدان المسلمين، وإن كره من كره من الكافرين والمنافقين والمرتدين.
وحيث لا يمكن في مرحلة ما تحقيق أكثر الخير فإنَّنا نسعى لنحقق بعضه بحسب الإمكان، مع إدراك كامل الحلقة التاريخية التي نمرُّ بها، ووعي أيضًا تامٌّ بقدراتنا وقدرات خصومنا، والشريعة مبناها على تحقيق المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ذلك الخير مهما بدا قليلًا فهو خطوة نحو الكثير مع بقاء السعي نحو الأحسن والأكمل.
لقد مرَّت -يا معشر المسلمين- على المسلمين فترات مظلمة كهذه الفترة أو أشد، لقد اجتاح التتار يومًا العالم الإسلامي وبلغ الذلُّ بالناس مبلغه، ولم يوقف زحف المغول إلا هتاف (واإسلاماه) الذي تردد يومًا في بطاح عين جالوت ليعيد الأمور إلى نصابها، وكذلك اليوم أمام زحف الصليبيين والمرتدين والمنافقين على أمَّة الإسلام يفسدون دينها ودنياها لم يوقفهم إلا مثل هتاف (واإسلاماه) .
كلُّ الحادثات إذا تناهت فموصولٌ بها فرجٌ قريب
إخواني المسلمين إنَّ الجهاد للخلاص من هذا الاستعباد والفساد أصبح اليوم واجبًا عامًّا، فرضه علينا ديننا، وفرضته علينا رجولتنا، وفرضه أيضًا ظلم الأنظمة الغاشمة، ثم فرضته مصلحة بقائنا؛ بقاؤنا كأمَّة لها روح ولها هوية، لأنَّنا اليوم بين أمرين: إمَّا بقاء أو موت؛ إمَّا بقاء كريم أو موت شريف.
والحمد لله لقد انكسر حاجز الخوف عند المسلمين، وعرفوا طريق التغيير، وأدركوا أنَّ التغيير بيدهم هم، لا بيد الأحزاب المتاجِرة بآلام الأمَّة، ولا بتلك الأزلام التي تعبِّد الناس للطاغوت، تعبِّدهم حينًا باسم الوطنية وحينًا باسم الدين، ولقد برهنت ثورات الشارع العربي أنَّ التغيير ممكن، وأنَّ الرعب الذي فرضته بيادق الطاغوت في نفوس الأمَّة سيزول، سيزول نعم، مع أول حركة صادقة واقعة تزلزل عروش الظالمين.
مع العلم أنَّ الثقل الأساسي في الحركة من أجل التغيير يكون على الشباب، وهذا على طول تاريخ الثورات في العالم، هذا الشباب المفجِّر لطاقات الأمَّة والباعث فيها روح الشجاعة من أجل التضحية.