شبابًا عافوا المذلَّة في الدنيا فعندهمُ ... عزُّ الحياة وعزُّ الموت سيَّان
لا يصبرون على ضيمٍ يحاوله ... باغٍ من الإنس أو طاغٍ من الجان
هذا الشعور بالتغيير والتجديد، هذا الشعور الجديد في الأمَّة ووليد تطورات وحوادث تعمل في تكوين العالم كله تكوينًا جديدًا، وإنَّ أول ما تفعله هذه الحوادث هو طبع الأفكار والعقليات طبعًا جديدًا.
وإنَّ الأمم إذا قام شعورها بالحاجة إلى الشيء اتجهت أنظارها إلى رجالها وقادتها، فإذا كانت سعيدة ومهيَّأة للخير لبَّاها رجالها من أول دعوة، ووجدت قادتها في مقدمة الصفوف، وإذا كانت شقيَّة قابلة للخنوع مقدَّرًا لها الذلُّ والخذلان وجدتهم لاهين أو متنابذين لاعبين مضطربين منعزلين في أُخريات القوافل على هوامش الحياة، فتفوت الفرص، ويفوت السابقون المبكِّرون، وتقسم مغانم الحياة، وتُبدَّل الأرض غير الأرض، والأمَّة ورجالها متباعدون متقاطعون مع حرمة الجوار يتمارون، والنذير عريان، ويمارون في الواضحات، ثم يصبحون وقد فات العمل، وخاب الأمل، وحقت الكلمة؛ نعوذ بالله.
إنَّ المسلمين في العصور الأخيرة يفتقدون القرار الصائب والحاسم في اللحظات الحرجة أو اللحظات التاريخية التي تتكرر قليلًا، وفي التاريخ قرارات صائبة أنقذت الأمَّة وأخرى مهلكة أوبقت الأمَّة، ومن قرأ عرف، فأي الخندقين سيختار رجال الأمَّة ورموزها، والحياة مواقف، والفرصة سانحة، والعدو يترنح، فلا ينبغي أن ندع له الفرصة ليلتقط أنفاسه.
فإمَّا حياة تسرُّ الصديق ... وإمَّا ممات يغيظ العدا
وإن لم يكن من الموت بدٌّ ... فمن العار أن تموت جبانًا
قد يأذن الله في تفريج كربتنا ... ويبصر الدرب من يشكو من الرمد
وللحقيقة والصراحة نقول: الأمَّة تعود إلى قرءانها، وتعود إلى سنَّة نبيها صلى الله عليه وسلم، تعود إلى شريعتها ودستور حياتها الذي حُرمت منه بقوة الحديد والنار، ولكن ينبغي أن تعلم الأمَّة -وعلى رأسها شبابها ورجالها الذين يخوضون بها غمار هذه العودة- أنَّ طريق العودة هو طريق التأسيس؛ التأسيس المنهجي وليس الإصلاح والترقيع العفوي، الله عزَّ وجلَّ قال: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ، فلتحذر الأمَّة سُرَّاق الثورات، وتغيير الوجوه، وتكييف الأدوار مع بقاء منظومة الاستبداد والتغريب والتفقير، ولتحذر أيضًا من أنصاف الحلول.