الصفحة 67 من 177

قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين. وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون.

ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم. والله أعلم. أهـ

وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن، إذا لم يمكن إذاية الكافر إلا بإذاية المؤمن، قال أبو زيد: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام، وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم، أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى؟ قال: فقال مالك: لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ] الفتح:25 [، وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه، وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة، فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة ... إلى أن قال:

وقال ابن العربي: وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنها الماء، فكانوا ينزلون الأسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا، فقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم، ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة، وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية وقال الشافعي بقولنا، وهذا ظاهر، فإن التوصل إلى المباح بالمحذور لا يجوز سيّما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك رحمه الله. انتهى

2 -ومن الأحناف: قال محمد بن الحسن الشيباني في السير وشارحه السرخسي (4/ 1446) حيث قال:"ولو أحرقوا سفينة من سفائن المشركين ثم أغرقوها وفيها ناس من المسلمين فليس على المسلمين في ذلك دية أو كفارة، وكذلك لو تترسوا بأطفال المسلمين فأصابهم المسلمون بالرمي، إلا أن المستحب ألا يقصد المسلمون بذلك ولو وجب الكف عنهم بهذا لم يُتوصل إلى الظهور عليهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت