قال السرخسي شارحا:"لأن كل حصن منهم أو أهل سفينة يخافون على أنفسهم يجعلون معهم في ذلك الموضع أسيرا من أسرى المسلمين، فيتعذر عليهم لأجل ذلك قتالهم وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لو كان معهم في السفينة نساؤهم وصبيانهم، فكذلك إذا كان معهم في ذلك الموضع قوم من المسلمين أو من أهل الذمة".
وقال المرغياني ـ رحمه الله ـ: ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، لأنّ في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام، وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص .. ) ـ الهداية شرح البداية 2/ 137
قال الدكتور الزحيلي: اتفق الفقهاء على أنه إذا تترس المشركون بالمسلمين جاز ضرب الترس ويقصد بالضرب الأعداء بناء على مبدأ المصالح المرسلة حتى عند من ضيق الأخذ بها كالغزالي حيث اشترط أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية كما في حالة التترس هذه، فلا يُتوق حينئذ الترس لئلا يُتخذ ذريعة إلى انتصار العدو. أهـ
تنبيه مفيد:
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ] النساء:97 [.
قال القرطبي: المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي - صلى االه عليه و سلم - الإيمان به، فلما هاجر النبي - صلى االه عليه و سلم - أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية.
قال القرطبي: وهو الأصح ثم قال: روى البخاري عن محمد بن عبد الرحمن قال: قُطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله - صلى االه عليه و سلم - يأتي السهم فيُرْمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يُضْرَبُ فيُقتل، فأنزل الله تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. قال القرطبي: وقول الملائكة: فيم كنتم سؤال تقريع وتوبيخ، أي أكنتم في أصحاب النبي أم كنتم مشركين! وقول هؤلاء: كنا مستضعفين في الأرض يعني مكة، اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة. ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم