الصفحة 92 من 177

فأقول: إن المتكلم في مثل هذه المسائل التي تتغير مناطاتها تبعًا لتغير الظروف والملابسات عليه أن لا يغتر وينخدع بالصور الظاهرة للمسائل التي تبدو متشابهة فيقع في الخلط والتخبط، والقول على الله بغير علم، ولهذا فقد نص علماؤنا رحمهم الله على أن المجتهد إذا عرضت عليه مسألة فحكم فيها بحكم، ثم عرضت عليه مسألة أخرى مشابهة لها، فلا يحكم عليها بما حكم به في الأولى، بل عليه أن يجتهد في الثانية كما اجتهد في الأولى، لأنه - كما ذكرنا - قد يكون اعترى المسألة الثانية من الظروف والملابسات ما يجعلها تفترق عن المسألة الأولى في الحكم، وهذا ما يؤدي إلى اختلاف مناطيهما، فهي وإن تشابهت في الصورة فقد اختلفت في الحقيقة فيختلف حكمها لذلك.

يقول الشيخ عبد الله بن خنين رحمه الله في كتابه: (تنزيل الأحكام على الوقائع الفضائية والفتوية في الفقه الإسلامي(ص 6 - 7) : (إن الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في القضاء أو الفتوى لا يستغنى عنه بالتقليد، بل هو فريضة في كل نازلة؛ لأن كل واقعة قضائية أو فتوية نازلة مستأنفة لم يسبق لها مثيل، فتحقيق المناط فيها متجدد لا ينضبط بمناط واحد، فلا يمكن التقليد فيها؛ يقول الإمام الشاطبي(ت: 790 هـ) :"لا يمكن أن يستغنى ههنا بالتقليد؛ لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد؛ لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها، ولم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها فلابد من النظر في كونها مثلها أو لا، وهو نظر اجتهاد أيضًا ... ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره، ولو في نفس التعيين) أهـ."

ويقول أيضًا: (إن تنزيل الأحكام على الوقائع مما لا يتم الحكم لقضائي أو الفتوى إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالوقائع يتكرر نزولها، ولا يطابق بعضها بعضًا، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت