فهرس الكتاب
أقول: إن المتأمل في كلام ابن حزم ليجد أن ابن حزم رحمه الله (ابن وقته) فهو يتكلم عن زمانه، وهذا هو الفقه الحي الواقعي الذي (( ... يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ) .
إن ابن حزم يتكلم عن زمن (الخيل، والبغال، والحمير) ، وليس عن زمن (الصاروخ، والنت) ، الذي صير العالم كله كالقرية الواحدة، ولهذا نجده رحمه الله يقول: (أما من قال أن الإمامة لا تصح إلا بعقد الفضلاء الأمة في أقطار البلاد، فباطل .. ) ، ثم يعلل رحمه الله وجه بطلان ذلك بقوله: (لأنه تكليف بما لا يطاق، وما ليس في الوسع) ، وصدق!، لأنه لا يمكن في ذلك الزمن، زمن الخيل ... أن تجمع بيعة فضلاء الأمة في جميع الأقطار، لأن ذلك يستغرق سنين إن لم نقل قرونًا، وهذا لا شك من تكليف ما لا يطاق، كما أنه مؤد إلى فساد عريض، لأنه يلزم عنه بقاء منصب الإمامة شاغرًا طول هذه المدة!، وهذا لا يجوز.
أما اليوم في عصر (النت) ، فقد أصبح ما كان مستحيلًا في زمن ابن حزم رحمه الله تعالى ممكنا متيسرا، حيث يمكن أن تتصل بجميع أو أكثر فضلاء الأمة - في أفغانستان، وباكستان، الشيشان .. وأقاصي الأرض - إن قلنا أنه يحصل بهم مقصود الإمامة وسيأتي -، في مدة وجيزة جدًا، ولو كان ابن حزم رحمه الله حيا لما وسعه إلا أن يقول بها.
والاستدلال بكلام ابن حزم رحمه الله من طرف مناصري الخلافة على عدم شرطية مبايعة فضلاء الأمة في أقطار البلاد في انعقاد الإمامة آفته - كما ترى - من الجمود على ما هو مسطور في كتب كتبت لزمان غير هذا الزمان، مما أدى ذلك الجمود إلى الوقوع في هذه الفتنة العمياء.