الصفات منه صلوات الله وسلامه عليه، إنها داء خطير يتناول وجود الإنسان، ويذهب بكل معالم إنسانيته.. ولهذا جاء مع نفى تلك الصفة عن النبي- هذه المباعدة الادية بينه وبينها، فقام حجاز بينه وبينها بقوله تعالى: «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» .. ثم قام حجاز آخر بحرف الجر «الباء» .. «ما أَنْتَ- بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» .
وفى هذا كله ما يؤكد تلك الحقيقة التي جاءت الآية الكريمة لتقريرها، وهى بعد النبي- بعدا معنويا، وحسيّا- عن أن يلم بحماه الكريم شىء يمسّ عقله في سلامته، وكماله.. ومثل هذا قوله تعالى: «وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ» وقوله سبحانه: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» .. ففى هذين المقامين توكيد لنفى هاتين الصفتين المذمومتين عن النبي: التجبر، والتسيطر.. وهذا آكد وأبلغ في نفى هاتين الصفتين عن النبي، من أن لو جاء النظم هكذا: «ما أنت جبار» .
«ما أنت مصيطر» ، برفع هذه الحواجز المادية التي تحجز السوء عن أن يواجه به النبي، حتى ولو كان هذا السوء واقعا في قيد النفي..
وقوله تعالى: «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» - إما أن يكون جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، يرادبها الإشارة إلى أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- في نعمة سابغة من ربه، وهو بهذه النعمة معافى من كل عارض سوء يعرض له في عقله، أو روحه، أو قلبه. فهذا أشبه بمن يقال له: أنت- بحمد الله- في عافية، أو أنت- ولله الحمد- في أمان..
وإما أن يكون قوله تعالى: «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» ، متعلقا بمحذوف، حال من الضمير المستكنّ في قوله تعالى: «بِمَجْنُونٍ» .. أي ما أنت بمجنون، والحال أنك محفوف بنعمة ربك..!