فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
[13] ) في تحطيمه للأسطورة الدينية في العهد القديم، والكشف عن المعاني العقلية التي تكشف عنها هذه الأساطير ( [14] ) .
وهناك طريقة أخرى يمثلها كل من فرويد ( [15] ) وماركس ( [16] ) ونيتشة ( [17] ) كما يبين ريكورنفسه، وهي التعامل مع الرمز باعتباره حقيقة زائفة لا يجب الوثوق به، بل يجب إزالتها وصولًا إلى المعنى المختبئ وراءها، فالرمز في هذه الحالة لا يشف عن المعنى بل يخفيه ويطرح بدلًا منه معنى زائفًا، ومهمة التفسير هي إزالة المعنى الزائف السطحي وصولًا إلى المعنى الباطني الصحيح. لقد شكك فرويد في الوعي باعتباره مستوى سطحيًا يخفي وراءه اللاوعي، وفسر كلٌّ من ماركس ونيتشة الحقيقة الظاهرة باعتبارها زائفة، ووضعا نسقًا من الفكر يقضي عليها ويكشف عن زيفها ( [18] ) .
والرمزية الريكورية تقوم على الكشف والإبلاغ عندما تساعد في تفجير دلالات اللغة عوضًا عن انكفائها على ذاتها ( [19] ) . وتعتمد على مفهوم العلامة عند سوسير باعتبارها ذات صلة وعلاقة مع غيرها من العلامات ( [20] ) ، وباعتبارها ذات إمكانات استدعائية عجيبة، وذات قدرة فريدة على تأويل بعضها البعض ( [21] ) ، وبكون العلامة قادرة على التعبير عن شيء دون أن تتعطل عن التعبير عن شيء آخر ( [22] ) . وبذلك يعتبر ريكور رمزيته ظاهرة ملموسة للمعنى على مستوى الخطاب، موثقة على أرضية العمليات الأولية للعلامات، وبذلك تكتسب رمزيته - بنظره - قيَمًا وظيفية فلم يعد الاشتراك اللفظي ظاهرة انحراف في ذاته، ولا الرمزية زينة في اللغة ( [23] ) .
ويصل ريكور إلى أن القيمة الفلسفية للرمزية تكمن في كونها تعبر عن غموض الكينونة من خلال تعدد إشارية علاماتنا ( [24] ) .
هذه الرمزية تنتهي بريكور إلى تقرير النتائج التي يتفق عليها أغلب الهرمينوطيقيين فالنص بمجرد أن يُدوَّن كتابة يصبح مستقلًا عن قصد الكاتب، وتنفتح عندئذ إمكانيات التأويل المتعددة ( [25] ) المفتوحة التي لا تختزلها أية رؤية ( [26] ) ، وتكون مهمة الهرمينوطيقا هي الكشف عن""شئ النص غير المحدود""لا عن نفسية المؤلف ( [27] ) ، لأن دلالة النص العميقة ليست هي ما أراد الكاتب قوله، بل ما يقوم عليه النص بما فيه إحالاته غير المعلنة ( [28] ) . ولذلك يعلن ريكور:""أحيانًا يطيب لي أن أقول: إن قراءة كتاب ما هي النظر إلى مؤلفه كأنه قد مات … وبالفعل تصبح العلاقة مع الكتاب تامة وثابتة بشكل ما عندما يموت الكاتب"" ( [29] ) .
وهكذا نجد في الهرمينوطيقا تعتبر العلامات والرموز هي الأساس الذي تتكون منه اللغة، ولا عبرة بأي قواعد أو أنظمة يتعارف عليها الناس للخطاب، فهي إذن تتمرد على النظام الاجتماعي والمعرفي السائد بين الناس والذي يشكل أساس التواصل بين الناس.
كذلك فإن الهرمسية التي ظهرت في القرن الثاني الميلادي فإنها تمردت على القوانين العقلية التي كانت سائدة لدى اليونان مثل مبدأ الهوية ( [30] ) ، ومبدأ عدم التناقض ( [31] ) ، ومبدأ الثالث المرفوع ( [32] ) فكان هرمس كائنًا متقلبًا وغامضًا فهو أبٌ لكل الفنون، ورب لكل اللصوص، وكان شابًا وشيخًا في نفس الوقت ( [33] ) ، وبناء على هذا فإن الحقيقة كامنة في كل شيء، فكل شيء يقول الحقيقة ولا يقولها، وليس في ذلك تناقض - في المنظور الهرمسي - لأن كل كلمة هي في الأصل إيحاء أو مجاز، إنها تقول شيئًا آخر غير ما يبدو في الظاهر، والوصول إلى الباطن يحتاج إلى كشف إلهي أو رؤية أو حلم ( [34] ) . لأن الحقيقة هي ما لم يُقل، أو هي ما قيل بطريقة غامضة، إن الآلهة تتكلم عبر إرساليات مليئة بالألغاز ( [35] ) . والشيء الصحيح أساسًا هو ذاك الذي لا يمكن شرحه ( [36] ) .""وهكذا فاللغة بالنسبة للفكر الهرمسي الغنوصي بقدر ما تكون غامضة ومتعددة بقدر ما تكون غنية بالرموز والاستعارات، وهو ما يجعلها قادرة على تعيين الله الذي يحتضن داخله كل المتناقضات"" ( [37] ) . وخلاصة ذلك أن""التأويل في الفكر الغنوصي غير محدود، إن محاولة الوصول إلى دلالة نهائية ومنيعة سيؤدي إلى فتح متاهات وانزلاقات دلالية لا حصر لها"" ( [38] ) .
ويعدد إمبرتو إيكو ( [39] ) أسس القراءة الهرمسية للنصوص، والقارئ قد يحسب أنه يعدد أسس القراءة الهرمينوطيقية فهي تقوم على أن:
· النص كون مفتوح بإمكان المؤول أن يكتشف داخله سلسلة من الروابط اللانهائية.
(يُتْبَعُ)