فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31424 من 53113

إن هذه صورة حقيقية لواقع العلمانيين العرب فتجدهم في مؤتمراتهم وندواتهم يتحدثون عن كل شيء، وتجد الواحد منهم وكأنه متخصص في كل شيء، فهو يجب أن يعقب على كل شيء، وليس من المهم أن يقول شيئًا، إنما المهم أن يقف ويتكلم ويلفت الأنظار إلى نفسه، أما ما يقوله فليس من الضروري أن يكون له معنى يلتزم به، فالمعنى مُرجَأ يتحدد بحسب ردود الفعل، واللغة لا تعني شيئًا محددًا.

إن الغموض العلماني يتيح لهم قدرًا كبيرًا من المناورة والمراوغة، ولذلك كان الاستنجاد بالمنهج الغنوصي الرمزي لأنه يساعدهم على تشتيت الفكر، وخلط الحقائق. لقد عانى ديكارت كما يبدو من معاصريه كما نعاني اليوم من هؤلاء العبثيين الفوضويين الذين يقولون كل شيء، ولا يقولون شيئًا، وهو-كما يبدو- المأزق الذي يشير إليه برينتون عندما يتحدث عن المكابدة التي يعاني منها ممثلو عصر النهضة في ابتغاء كل ما هو فريد وعظيم ومتطرف، حتى برزت نزعة تسمى نزعة التأنق البلاغية المعروفة باسم euphnuism ونزعة الجونجورية - الأسلوب المتكلَّف ذو اللغة المعقدة والفكرة الغامضة - في مجال الأدب، فنتج عن ذلك أكداس من الحذلقة الثقافية والمعرفة الشاذة التي لا تدل على شيء ( [143] ) .

وهو ما يعبر عنه فلوبير في خطاب أرسله إلى صديقه"لوي كوليه"عام 1852م""إن ما يبدو جميلًا بالنسبة لي، ما أريد كتابته هو كتاب عن لا شيء، كتاب لا يعتمد على شيء، تتماسك أجزاؤه بقوة أسلوبه ... إن أفضل الأعمال هي التي تحتوي على أقل الموضوعات"" ( [144] ) .

المطلب الثاني - المتاهة الغنوصية/ العلمانية اللانهائية:

إن التفكيكية التي ينطلق منها الخطاب الغربي ترفض الاعتراف بأي حقيقة للكون""فكل حقيقة حاضرة"" ( [145] ) ، وتكرس مبدأ النسبية المطلقة في الفكر أولًا، معتمدة في ذلك على التلاعبات البلاغية النيتشوية بالألفاظ ( [146] ) . وهي في نزولها إلى اللغة تُنزِلُ معها نسبيتها وشكَّها الفلسفي، ولذلك كانت غاية دريدا تأسيس ممارسة فلسفية أكثر منها نقدية، يريد لفلسفته أن تتحدى أي ارتباط بمدلول نهائي وصريح، إنها لا تريد تحدي معنى النص فحسب، بل تطمح إلى تحدي ميتافيزيقا الحضور الوثيقة الصلة بمفهوم التأويل القائم على وجود مدلول نهائي.

والسبيل إلى ذلك هو فصل النص عن قصدية القائل لكي يكفَّ القراء عن التقيد بمقتضيات هذه القصدية الغائبة. والخلاصة أن اللغة تندرج عندئذ ضمن لعبة فلسفية متنوعة للدوال، فلا وجود لأي مدلول متعال، ولا ارتباط بين دال ومدلول، ولا يرتبط الدال بشكل مباشر بمدلول إلا ويعمل النص على تأجيله وإرجائه باستمرار، والانتقال إلى دال آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية بحيث لا يبقى إلا السلسلة الدالة المحكومة بمبدأ اللا متناهي. إنها""المتاهة اللا نهائية الهرمسية"" ( [147] ) .

هذه النسبية التي يحاول الخطاب العلماني دائمًا أن يتذرع بضرورتها بسبب احتمالية اللغة، وبشريتها وتنوع المخاطبين، واختلاف عقولهم واتجاهاتهم وأفكارهم وميولهم، ليست في الحقيقة نابعة من اللغة، لأن اللغة في الغالب تحدد مرادها من خلال القرائن والسياق. إن النسبية المفروضة على اللغة هي نتاج لعصر الشك، ومجتمع الشك، إنه انفراط لعقد العالم فلسفيًا قبل أن ينفرط لغويًا ( [148] ) . لقد نجحت التفكيكية في الهجوم والبعثرة والهدم نجاحًا ليس له نظير، ولكنها لم تقدم خيارًا ذا قيمة ( [149] ) . وإذا كانت البنيوية فشلت في تحقيق المعنى، فإن التفكيكية نجحت في تحقيق اللامعنى ( [150] ) .

ولذلك كان جودسون مصيبًا عندما قال معلقًا على مقال دريدا الذي اعتُبر بداية التفكيك""إن بحث دريدا يُقنع القراء بأنهم لا يعرفون لغتهم، وأكثر من ذلك فكرهم، يجب أن تتم دراسة للغات النقد قبل أن يصبح لأي شيء نقوله حول الأدب معنى"" ( [151] ) . ولكن جاك دريدا لا يبالي بذلك لأنه يعترف بأن التفكيك هو التخريب، ولكنه يعتبره تخريبًا ضروريًا، لأنه ثورة على الفكر التقليدي ( [152] ) . ومن هنا لم يكن سورل مخطئًا حين قال عن دريدا بآ

أن""لديه ميلًا مرضيًا لقول أشياء خاطئة بشكل بديهي"" ( [153] ) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت