فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31426 من 53113

وعندما يُطلَق العنان لآليات التناظر فلا شيء يمكن أن يوقف هذه الآلية، فالصورة والمفهوم والحقيقة التي يتم الكشف عنها من خلال المماثلة تتحول هي الأخرى إلى علامة تحيل على تناظر جديد ( [162] ) ، لأن أيَّ شيءٍ يمكن أن تكون له من زاوية ما علاقة تناظر أو تجاور أو مماثلة مع أي شيءٍ آخر ( [163] ) .

إن العلامة حتى يتم تمييزها كأي شيء يجب أن يكون لها شكل مميز ووظيفة مميزة تجعلها تختلف بشكل واضح عن العلامات الأخرى. فالقول بالعلامة الحرة التي تلعب إلى ما لا نهاية وبلا حدود ضد العلامات الأخرى يعني تخيُّل علامة ليس لها صفة محددة على الإطلاق، أي علامة ليس لها شكل أو وظيفة خاصة بها. إن هذا لا ينتج معنى أكثر ثراء كما يحلو للمدافعين عن هذا الموقف أن يعتقدوا، بل لا معنى على الإطلاق. إن علامة لا يمكن تحديدها بشيء معين لا تدل على شيء على الإطلاق. إن الغموض في العلامات يولِّد اختزالًا للمعنى وليس زيادته، والغموض الكامل واللاتحديد الكامل للتدليل هو النقطة التي نصل عندها إلى صفر الدلالة ( [164] ) .

وما يقوله دريدا من أن للعلامة الحق في أن تحدد قراءتها حتى ولو ضاعت اللحظة التي أنتجتها إلى الأبد، أو جَهلت ما يود كاتبها قوله ( [165] ) فهو كلام فارغ أقل من أن يُلتفتَ إليه، لأن المجموعة البشرية عندما تتفق على تأويل ما فإنها تنتج مدلولًا، إن لم يكن موضوعيًا فهو مُفضَّل على أي تأويل آخر يفتقر إلى إجماع أو تواطؤ مجموعة بشرية ( [166] ) .

بعبارة أخرى: إن إجماع أهل الاختصاص والخبراء هو الذي يُثبِّت للكلمة و للعلامة معناها الحقيقي ويذود عنها المعاني الطفيلية، وكون الكلمة أو الرمز أو العلامة توحي بمعاني أخرى، أو تستدعي في ذهن قارئها أشياء أخرى لا يعني أنها تفقد دلالتها الحقيقية الأولى، فكون الأم تذكر بالابن أو العكس لا يعني أن الأم لا تعني الأم، إن ما تدل عليه كلمة الأم هو الأم وحدها، وكون الشيء بالشيء يُذكر لا يعني أنهما شيءٌ واحدٌ ( [167] ) .

إن الدلالة لابد أن تستند إلى صبغة مؤسسية اجتماعية، بمعنى أنها لا توجد إلا في مجتمع يستعملها. إن الاتفاق والتواطؤ الاجتماعي هو الذي يعطي الدلالات معانيها ( [168] ) ، ومن هنا""فالمس بمقدسات اللسان عبر إعادة توزيع مقولاته النحوية، وتغيير قوانينه الدلالية يعني أيضًا المس بالمقدسات الاجتماعية والتاريخية"" ( [169] ) .

المطلب الرابع - التناظر والانتقال المزيف:

لقد أعدنا مرارًا الحديث عن مفهوم العلامة والرمز والتناظر لأنه مدخل أساسي يعتمد عليه الخطاب العلماني في قراءة النصوص والتراثات البشرية عمومًا، وهو الجسر الذي يتواصل من خلاله العلمانيون والغنوصيون وقد تجلى ذلك بشكل خاص في البحوث التأويلية والأسطورية التي اشتغل عليها الخطاب العلماني.

إن كل الأوهام والتهوسات التي تفوه بها القمني ( [170] ) والربيعو ( [171] ) وأركون وغيرهم من ربط بين الإسلام من جهة والأساطير والوثنيات القديمة من جهة ثانية قائم على هذه الآلية الهرمسية الغنوصية آلية التناظر المطلق والتماثل العبثي، فمثلًا إن إعادة هبل إلى بعل، ومكة إلى مقة، وإساف إلى يوسف، وقيس إلى أربكسد أو كاسي، والفلسطينيين إلى السلفات، والكروبيم إلى البراق .. الخ هو من هذا القبيل التناظري الهوسي الذي لا يستند إلا على إرادة التحريف وإرادة التقويل التي يتمتع بها الباحث ( [172] ) .

إن هذا التناظر الذي يتحدث عنه القمني وغيره من الأسطوريين يستند إلى مبدأ هرمسي يسميه إمبرتو إيكو""مبدأ الانتقال المزيف""ووفق هذا المبدأ فإن أي تشابه بين أي شيئين يمكن أن يتم الانتقال منه إلى علاقة أخرى، ومن ذلك أنه اكتُشف ذات يوم أن النبتة التي تحمل اسم السحلبية لها بصلتان كرويتان تشبهان الخصيتين، وانطلاقًا من هذه المماثلة الشكلية"المورفولوجية"تم الانتقال إلى المماثلة الوظيفية فأشاع الغنوصيون أن السحلبية لها مفعول سحري على الجهاز التناسلي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت