إلى إيذاء (1) أهله وذعرهم ومطالبتهم والنيل منهم ولم يقنع الجاهل بأن يترك وجهله، بل صار داعية إليه وناهيًا عن العلم بفعله وقوله، وصاروا كما قال حبيب بن أوس الطائي في وصفهم (2) :
غدوا وكأن الجهل يجمعهم به ... أب وذوو الآداب فيهم نوافل فإن الحظ لمن آثر العلم وعرف فضله، أن يسهله جهده، ويقربه بقدر طاقته، ويخففه ما أمكنه. بل لو كان أمكنه أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجري (3) الأجور لمقنيه (4) ، ويعظم الأجعال عليه (5) للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابرًا في ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك حظًا جزيلًا وعملًا جيدًا وسعيًا مشكورًا كريمًا وإحياء للعلم؛ وإلا فقد درس وطمس (6) وبلي وخفي، إلا تحلة القسم، ولم يبق منه إلا آثار لطيفة وأعلام داثرة والله المستعان.
ورأينا هذه الكتب كالدواء القوي، إن تناوله ذو الصحة المستحكمة، والطبيعة السالمة، والتركيب الوثيق، والمزاج الجيد، انتفع به وصفى بنيته وأذهب أخلاطه [5 و] وقوى حواسه، وعدل كيفياته؛ وإن تناوله العليل المضطرب المزاج، الواهي التركيب، أتى عليه، وزاده بلاء وربما أهلكه وقتله. وكذلك هذه الكتب إذا تناولها ذو العقل الذكي والفهم القوي لم يعدم أين تقلب وكيف تصرف منها نفعًا جليلًا وهديًا منيرًا وبيانًا لائحًا ونجحًا في كل علم تناوله وخيرًا في دينه ودنياه، وإن أخذها ذو العقل السخيف أبطلته أو ذو الفهم الكليل بلدته وحيرته؛ فليتناول كل امرئِ حسب طاقته. وما توفيقنا إلا بالله عز وجل.
ولا ينذعر قارئ كتابنا هذا من هذا الفصل، فيكع راجعًا، ويجفل هاربًا،
(1) م: أذى.
(2) البيت في ديوانه: 256 (شرح محيي الدين الخياط) ، وقوله: الطائي في وصفهم: سقط من م.
(3) س: ويجزي.
(4) م: لمقتبسيه.
(5) عليه: سقطت من م.
(6) وطمس: سقطت من س.