متدرجة لا تحرم الإنسان أملًا، وتليها جميعًا مرتبة واحدة مؤكدة الهلاك وهي حال الكافر فحسب. ومرة أخرى يتبين لنا اخذ ابن حزم بالرجاء وفهمه الدقيق لطبيعة موقف الفرد في الجماعة أو بعيدًا عنها.
وهذا الفهم للنواحي الاجتماعية هو خير ما يميز هذه الرسالة، ومن خلال هذه الأجوبة كتب ابن حزم صفحة هامة في التاريخ الاجتماعي الاقتصادي للأندلس بعيد الفتنة البربرية، ونحن مدينون له بمعرفة أن الأندلس لم تخمس ولم تقسم عند الفتح، لكن نفذ الحكم فيها بأن لكل يد ما أخذت، ووقعت في البلاد غلبة إثر غلبة، دخلها أولًا الأفارقة فحازوا ما حازوه ثم الشاميون أصحاب بلج فاخرجوا اكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم ثم كانت الفتنة البربرية فاخذ البربر يستولون على ما بأيدي السكان ويشنون الغارات على المواشي وثمار الزيتون.
ويرى ابن حزم أن كل مدبر مدينة أو حصن في الأندلس فهو محارب لله تعالى ساع في الفساد لأنه يسمح بالغارة على الرعية ويبيح للجند قطع الطريق ويضرب المكوس والجزية على رقاب المسلمين ويسلط اليهود عليهم ليجمعوها منهم، وتسمى هذه الجزية"القطيع"وتؤدى بالعنف ظلمًا وعدوانًا لدفع رواتب الجند، فيعامل الجند بهذه الدراهم والدنانير التجار والصناع فتصبح في حرمتها كالحيات والعقارب والأفاعي بعد أن كانت حلالًا مستخرجًا من وادي لا ردة، ولا سلامة إلا بالإقرار بحرمتها والاستغفار من ذلك إذ كان التورع عن استعمالها أمرًا غير عملي.
ثم يكون القطيع أيضًا من الغنم والبقر والدواب وعلى الأسواق وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين، وهذه الدواب تباع للذبح وللنسل. فإذا امتنع المرء عن أكل اللحم لم يمتنع عن شراء الدواب للنسل والحرث، وهي نار كلها لأنها بدل من المثمن، ثم ينصرف ثمنها في أنواع التجارات.
ثم إن مرتبات الجند تتحصل أيضًا من الجزية على الصابون والملح والدقيق والزيت والجبن، وهي جزية غير مشروعة يدفعها المسلمون وتجري في التعامل"وقد علمتم ضيق الأمر في كل ما يأتي من البلاد التي غلب عليها البربر من الزيت والملح وغن كل ذلك غصب من أهله، وكذلك الكتان أكثره من سهم صنهاجة الآخذين النصف والثلث ممن نزلوا عليه من أهل القرى، ولا سلامة من أكل الحرام والتعامل به في كل ذلك، ولكن ليفعل المرء ما هو ممكن وهو أن يجتنب ما يعرف انه غصب معرفة يقين، ثم يعذر"