الإسلامية (1) ، وإن لم يحاول أن يلجأ إلى ثنائية الدين والدنيا، بل مزج بينهما مزجًا بارعًا على نحو لم يوفق إليه من جاءوا بعده؛ ومن الواضح أن منهج الفارابي يتميز بوضع"مقولات كبرى"يمكن أن تندرج تحتها تفريعات قد تجد في المستقل، فهو لم يحاول أن يعطي للفروع تسميات محددة، وإنما ترك الجو صالحًا لمزيد من التوالد الطبيعي في العلوم. ويبدو أن كتاب إحصاء العلوم يمثل تطورًا في نظرة الفارابي نفسه إلى التصنيف؛ ففي رسالة"كتاب التنبيه على سبيل السعادة"نجده يلتزم التقسيم التقليدي، فيجعل الفلسفة النظرية ثلاثة أصناف: علم التعاليم والعلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعيات، والفلسفة المدنية تشمل الأخلاق والسياسة. ولم ينس الفارابي أن يعرج على تبيان ما يميز علمًا عن علم في المرتبة، ولهذا جعل فضيلة العلم أو الصناعة مبنيةً على واحد من الأمور الثلاثة؛ فالعلم يفضل علمًا آخر بشرف الموضوع مثل علم النجوم، أو باستقصاء البراهين مثل علم الهندسة، أو بعظم الجدوى مثل العلوم الشرعية والصناعات الضرورية، وقد يجتمع ثلاث من هذه الخصائص أو اثنتان في علم فيكتسب فضيلة إضافية وتلك هي الحال العلم الإلاهي (2) .
وليس يضيرنا أن نسأل هنا على ضوء ما جد بعد الفارابي من نظرات تصنيفية أين يقع في منهجه المتطور كل من الطب والفراسة وتعبير المنامات والطلسمات والنيرنجات والكيمياء وسائر تلك الأمور التي ستجد لها مكانًا بعده لدى إخوان الصفا وابن سينا، سواء أجعلت أصولًا أم فروعًا في البنية التصنيفية؛ إن هذا التساؤل يوضح إلى أي مدى كان الفارابي منحازًا إلى"الأساس الفكري" (3) في نظرته إلى العلوم، على ما منهجه العام من مرونة وسعة.
وحين حاول إخوان الصفا أن يلبوا حاجة الواقع الراهن حينئذ في تصنيفهم للعلوم عادوا إلى انتحال قسمة ثلاثية من نوع جديد، فجعلوا العلوم رياضية (يعني قائمة على الدربة والتمرين، وهي شيء مختلف عن الرياضيات) وشرعية وفلسفية، محاولين
(1) استيحاء الواقع العملي في التصنيف شيء والقول بأن التصنيفات للعلوم تبين المعيار الذي تقاس به المعارف في كل عصر شيء آخر، فالعيار لدى معظم هؤلاء الفلاسفة لم يكن يعكس معيارًا عصريًا عامًا (راجع مقالة وقيدي المذكورة سابقًا ص: 71 - 72) .
(2) كتاب التنبيه على سبيل السعادة (ضمن رسائل الفارابي ط. حيدر أياد الدكن 1345، وكل رسالة مرقمة على حدة) ص: 20 - 21.
(3) رسالة في فضيلة العلوم والصناعات (ضمن رسائل الفارابي) ص: 1.