بطالب البرهان إليه بأقل حاجة، وترك حذف شيء من ذلك البتة" (1) ، وقد رأينا أن هذه الغاية التي وجه لها ابن حزم جهده قد أكسبت كتابة سمات من الأصالة، ففي قيامه بشرح المستغلق وحذف ما هو غير ضروري، وإثارة أمر غامض، وجمع أشياء متفرقة في نطاق واحد، مع الاستيعاب للأوليات الضرورية، برزت شخصية رجل مستقل في فكره، واضح في أهدافه؛ ومهما يشتم من تواضع في كلمته التي حدد بها طبيعة كتابه فإنه كان يدرك إدراكًا تامًا بأنه يحاول أمرًا لم يحاوله أحد قبله:"ولم نجد أحدًا قبلنا انتدب لهذا" (2) فهو يدرك خطورة ما هو مقدم عليه، ولكنه يجد في نفسه الاستعداد لذلك، أعني"لكشف غمة العداء للمنطق واكتساب الأجر في هداية الناس إلى فوائده"."
ومع ذلك فربما كان ابن حزم مسبوقًا إلى هذه الخطوة أو إلى ما هو شبيه بها، فقد بين الدكتور عمار الطالبي أن الفارابي كان أول ن يسر المنطق وقر به للإفهام واستخدام فيه عبارات الفقهاء والنحاة واصطلاحات المتكلمين، وقارن فيه بين منهج الأصوليين ومنهج المشائين، وضرب الأمثلة من القرآن ومن عبارات الفقهاء في القياس وغيره من الاستقراء والتمثيل، وألف في ذلك كتابًا سماه"كتاب المختصر الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين" (3) .
يبدو لي أم ثمة فرقًا أصيلًا بين الفارابي وابن حزم في هذا الموقف، فالفارابي يأخذ منطق أرسطاطاليس كما هو ويقارنه بمنطق آخر، اتخذت من علم الكلام، بينما يجرد ابن حزم من منطق أرسطاطاليس"معيارًا"يحسنه الناس البسطاء، ويخدم"تربية فكرية"تمتد إلى شؤون الدين والحياة بعامة؛ وأيًا كان الأمر فهل اطلع ابن حزم على محاولة الفارابي يثير الدكتور الطالبي مسألة اللقاء بين ابن حزم والفارابي في مسألة قياس الغائب على الشاهد فيقول: والغريب أن آراء ابن حزم في مسألة قياس الغائب على الشاهد أو الاستقراء تماثل آراء الفارابي، إذ أورد نظرية الأصوليين واصطلاحهم في إجراء العلة والمعلول وانتهى إلى نفس الرأي الذي انتهى إليه الفارابي في القول بأن الاستدلال بالشاهد على الغائب إنما يصح في الإبطال لا في الإثبات (4) . ولعل هذا
(1) التقريب: 5 / ظ.
(2) التقريب: 4 / و.
(3) نصوص فلسفية (إشراف وتصدير الدكتور عثمان أمين، 1976) : 87.
(4) المصدر السابق: 90؛ وانظر التقريب: 76 / و.