الثاني_ والأمر الثاني الذي يحقق التضييق ، هو التمسك بالأصل ، دون النظر إلى بدائله ، والتفريط في وضع الحلول ، ومن الواضح أن الحكم الأصلي لا يكون ملائما للمكلف على الدوام ، فهناك الكثير من المباحات والأمور المشروعة التي لا تحقق حاجة بعض المكلفين ؛ بسبب بعض الظروف الخاصة التي يخضع لها المكلف ، والتي لا تتلاءم مع التمسك والعمل بهذه الأمور المشروعة ، فعندما يلجأ المكلف إلى التحري عن طريق يتلاءم وظرفه ، ويسأل عن حكمه الشرعي ، فإن الجواب الذي يجده أمامه هو إرشاده إلى الحكم الأصلي الذي لا يتلاءم وحالته ، دون النظر إلى إمكانية إيجاد بديل للحكم الأصلي يتلاءم مع ظرفه ، مما يؤدي إلى ضياع الحقوق ، وتجعل المكلف في حالة حرج ، فهو بين أمرين ، أحدهما التمسك بالحكم الأصلي ، والآخر الوقوع في الحرام ، و ترتب المأثم ، والله تعالى يقول: { وما أبرئ نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي } [1] ، فالنفس الإنسانية قد جبلت على الوقوع في الخطأ ، وقليل من الناس من يفضل حق الله تعالى ، ويقدمه على حق نفسه ، إذا لم يجد هناك مندوحة ، أو مخرجا شرعيا ، أما إذا أمكن أن يوجد له بديل يتسم بالشرعية ، دون أن يحلل حراما ، أو يحرم حلالا ، فالواجب أن يجتهد في إيجاده بالبحث والنظر ، و إلا فالمسؤولية تقع على من يفرط في إيجادها ممن هم مشتغلون بالفقه والفتوى .
2.تجنب التميّع ، وأقصد به الانحلال الناشئ من التساهل غير المبرر في إعطاء الرخص ، والإفراط في إعطاء الحلول ، دون ميزان شرعي ، فكما أن ضياع الحقوق ينشأ بسبب التضييق ، فكذلك الإثبات المفرط للحقوق الناشئ من التمسك بالرخص ، لضرورة ، أو لغير ضرورة ، يؤدي إلى مساوئ وسلبيات كثيرة ، منها:
(1) - يوسف: 53 .