فَرْقٌ كبير بين أن يسْلم الناس منك ، وبين أن يأْمنوك ، فلو سَكَنْتَ في بيْتٍ ولك جيران ، ومضى على سكناك في هذا البيت عشرُ سنواتٍ ، ولم يتضجَّر ، ولم يشْكُ منك أحدٌ من الجيران ؛ إذًا سَلِم الجيران منك ، لكنهم لم يطْمئِنوا إليك ، وفَرْقٌ كبير بين أن يسْلم الناس منك ، وبين أن يأْمنوك ، فالسلامة عدم حُدوث المكْروه ، لكنَّ الطمأنينة والأمن عدم تَوَقُّع ما يُكْره ، فالمُسلم يسْلم الناس من لِسانه ويَدِه ، لكنَّ المؤمن أرْقى من ذلك ، يأمنه الناس على أمْوالهم وأعْراضِهم ، المُسلم لا يُؤذي جيرانه ولا يؤذي َمن دونه ، ولا من فوقه ، لكنَّ المؤمن لا يتوَقَّعُ أحدٌ ممن حوله أنْ يأتيَ الأذى منه ، فثَمَّة فَرْقٌ كبير بين ألاّ تؤذي ، وبينْ ألاّ يتوقَّعَ الناسُ منك شيئًا من الأذى ؛ فالحديث فيه دِقَّة ، إذْ إنَّ مرتبة الإسلام أنْ يَسلم الناسُ من لِسانك ويَدِك ، أما مرتبة الإيمان هي أنْ يأمنك الناس على أمْوالهم ودِمائِهم وأعْراضِهم ، لا يُمْكن لإنسانٍ يُعامِلُ مؤمنًا أنْ يخاف منه ، ولا أنْ يتوَجَّس منه خيفَةً ، وحتى أنْ يقول: لعلَّهُ يؤذيني ، فهذه صِفات المؤمنين ، خُصوم المؤمنين من أهل الكتاب جاؤوا النبيَّ عليه الصلاة والسلام طالِبين منه أنْ يبْعث إليهم أحد أصْحابه لِيَحْكُم بينهم في خِلافاتٍ مالِيَّة ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟! قال: ائتوني العَشِيَّة أبْعَثْ معكم القَوِيَّ الأمين ، يقول سيِّدُنا عمر: فَرُحْتُ إلى صلاة الظهر مُبَكِّرًا ، لعلَّني أنا القويُّ الأمين ، وإني ما أحْبَبْتُ الإمارة حُبي إياها يومئِذٍ ، فسيِّدُنا عمر تاقَتْ نفْسه للإمارة ، إذ النبي الكريم يقول: ائتوني العَشِيَّة أبْعَثُ معكم القَوِيَّ الأمين ، قال عمر: فَرُحْتُ إلى صلاة الظهر مُبَكِّرًا ، لعلَّني أنا القويُّ الأمين ، وإني ما أحْبَبْتُ الإمارة حُبي إياها يومئِذٍ ، فلما صلى بنا النبي عليه الصلاة والسلام جعل