فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 69

ينْظر عن يمينه وعن شِماله ، فَجَعَلْتُ أتطاول لعلَّهُ يخْتارُني ، ولعلَّني أنا القوِيُّ الأمين - الناس الآن يبْحثون عن مكانة علِيَّة عند أهل الدنيا لا عند المؤمنين ؛ على المنصب والمرتبة والوظيفة ، أما سيّدنا عمر فيبحث عن مرتبة عَلِيَّةٍ عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم - فلم يزَل يُقَلِّبُ بصره فينا حتى رأى أبا عُبَيْدة بن الجراح فقال: اُخْرُج معهم ، فاقْضِ بينهم بالحق فيما اخْتَلفوا فيه ، فقُلْتُ: والله ذهب بها أبو عُبَيْدة .

في إحدى المرات بشَّر صلى الله عليه وسلَّم أصْحابه بالجنَّة فَسَأله صحابيٌّ فقال: وأنا فقال: سَبَقَكَ بها عُكاشَة ، وهذا من مُنْتهى الذكاء ، والأنبياء أصْحاب فِطنة وذكاء ، فَهُو صلى الله عليه وسلَّم ما أخَافَهُ ، وما كذب عليه ، وما أهْمله ، إنما قال له: سَبَقَكَ بها عُكاشَة .

سيِّدنا أبو عُبيدة بن الجراح بعثه النبي عليه الصلاة والسلام في جَمْعٍ من أصْحابه لِيَتَلَقَوا عيرًا لِقُرَيْش ، وأمَّره عليهم ، وزوَّدَهُم جِرابًا من تمْرٍ ، ولم يَجِد لهم غيره ، فكانَ أبو عُبَيْدة يُعْطي الرجل من أصْحابه كلَّ يومٍ تمْرة ، فَيَمُصُّها الواحد منهم كما يمُصُّ الصَبِيُّ ضَرْعَ أُمِّه طوال النهار ، ثمّ يشْرب عليها ماءً ، فكانت تكْفيه إلى الليل ، هذا هو الطعام الخَشِن ، طوال النهار تَمْرة ، أما الآن يقول لك: أين الشاي الأخضر ؟ وأين المُقَبِّلات والحِساء الساخن والفواكه؟ أنواعٌ مُنَوَّعة ، أنا الذي لفتَ نظري أنَّ كلّ هذه الحياة الصعبة والشاقة وهذا الجِهاد ، وهذه الهِجْرة والمُكابدة والتضْحِيَة ، وهذا الحرّ والقرّ جعلهم أسعد الناس ، وكلُّ النعيم الذي نحْياه ، وكُلُّ الرفاه وكلُّ هذه المواد التي بين أيْدينا من دون معْرفةٍ بالله هي عَيْنُ الشَّقاء ، لِذلك اُطْلُبوا العِزَّة عند الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت