فهرس الكتاب
إنه من المفيد، ونحن نقترب من شعرية النص عند بديع الزمان سعيد النورسي، أن نشير إلى أن"المثنوي العربي النوري"يتضمن كثيرا من النظرات النقدية المتعلقة بالشعر والأدب، بالإضافة إلى النصوص الإبداعية التي يستطيع القارئ، دون عناء كبير، أن يقف عليها، ولاسيما في تلك المناجيات الروحية التي كان يتقدم بها في رسائله، ويرى أن بعضها لا يعدو أن يكون"رقص الجذبة بنوع وزن يشبه الشعر، وليس بشعر بل قافية ذكر في جذبة فكر"1 وهي في الحقيقة تتضمن كل خصائص الشعر، بل هي بالإضافة إلى إيقاعها المبين تشتمل على أوزان خاضعة لتفعيلات الخليل، ولا سيما الرجز، مثل قوله في هذه الجذبة الفكرية:
سبحان من يحمده الضياء بالأنوار
والماء والهواء بالأنهار والأعصار
والتراب والنبات بالأحجار والأزهار
والجو والأشجار بالأطيار والأثمار
والسحب والسماء بالأمطار والأقمار
تلؤلؤ الضياء من تنويره
تشهيره
تموج الهواء من تصريفه
توظيفه
تفجر المياه من تسخيره
تذخيره
مدح بليغ بيّن للقادر
تزيّن الأحجار من تدبيره
تصويره
تبسّم الأزهار من تزيينه
تحسينه
تبرّج الأثمار من إنعامه
إكرامه
حمد جميل ظاهر للفاطر
وهكذا تمضي هذه"الجذبة الفكرية"في هذا الإيقاع الجميل، المعتمد على تفعيلة الرجز، بالإضافة إلى ذلك التلوين الصوتي المتولد من تنويع القوافي. أليس هذا نمطا متقدما من أنماط"التنغيم"2 الذي يطلق عليه عادة الشعر التفعلي أو الشعر الحر؟ هل كان من باب التواضع أن يقول عنه النورسي إنه ليس بشعر؟. لهذا كله يكون من الطبيعي ألا نعزل التنظير عن التطبيق في هذا الحديث.