فهرس الكتاب
قضية اللفظ والمعنى من القضايا التي عالجها النقد القديم حتى لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب النقد المعتمدة، بل لقد ظهرت منذ القرن الثاني مع المصنفات النقدية الأولى. وهكذا أولى الجاحظ - على سبيل المثال - هذه القضية عنايته وعالجها في أكثر من كتاب من كتبه الكثيرة، وبطرق مختلفة أوهمت الناظر المتعجل أن الجاحظ يتناقض في أحكامه، فهو ينتصر للفظ مرة وللمعنى مرة، وكل ذلك لم يكن، وإنما كان من شأن أبي عمرو أن يذكر مزايا اللفظ في موضع، ويفصل حسنات المعنى في موضع، فظن من لا صبر له ولا بصر الجاحظ متناقضا. ومن أكثر نصوص الجاحظ تداولا بين الناس، ومن أكثرها سوء فهم وتأويل أيضًا، ذلك النص الذي يرى فيه الجاحظ أن المعاني مطروحة في الطريق. قال الجاحظ:"وَالمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك."8 وقد كان من الذين شرحوا قول الجاحظ من القدماء وأزالوا عنه ما علق به من لبس، أو ما يظن كذلك، عبد القاهر الجرجاني الذي بين في دلائل الإعجاز خاصة، حقيقة المراد باللفظ، وأن اللفظ مفردا لا مزية له، وإنما المزية في النظم الذي يرقى باللفظ من كونه عالما مغلقا ومعزولا إلى أن يغدو عالما متشابكا مع عوالم أخرى، وهو بذلك التشابك، لا بدونه، يكتسب كينونته ووجوده.
وقد ذكر النقاد تشبيها يتداولونه، لتحديد علاقة اللفظ بالمعنى، فقال ابن رشيق، وهو من نقاد القرن الخامس:"اللفظ جسم روحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم: يضعف بضعفه ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصا للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح"9