فهرس الكتاب
ولا يشك أحد من أصحاب الذوق وأهل النظر في أن العلاقة بين اللفظ والمعنى وطيدة، وبديع الزمان النورسي ممن يؤكد هذه العلاقة، إلا أنه يأتي بهذا التشبيه المتداول الذي يجعل المعنى روحا واللفظ جسدا، فيرى فيه قصورا، أو قل هو لا يراه مستقيما مع حقيقة طرفي البيان، فيقوم الاعوجاج،وذلك بتقديم تشبيه آخر، معترضا على التشبيه القديم، فيقول:"إن الكلام لفظه ليس جسدا بل لباس له، ومعناه ليس روحا بل بدن له. وما حياته إلاّ نية المتكلم وحسه، وما روحه إلا معنى منفوخ من طرف المتكلم"10 إن هذا التعبير يتضمن تعديلا وإضافة. فأما التعديل فتشبيه اللفظ باللباس بدلا من الجسد، وتشبيه المعنى بالبدن بدلا من الروح. وأما الإضافة فجعل النية والحس سببا في نفخ الروح في النص، أي إعطاء المعنى وجوده المعدوم قبل النية، وهذا ما يسمى في النقد الحديث:"مقصدية النص"إذ بدون إدراك هذه المقصدية قد يلتف النص على نفسه ويبلغ غير المراد، فتضيع الرسالة التي تنتقل من المرسل إلى المرسل إليه مشوهة لأنها لم تستكمل عناصرها.
أما تعديل التشبيه فمرده إلى حقيقة الجسد عند النورسي. إن الجسد باق لا يفنى، إذ الأشياء خلقت للبقاء لا للفناء، الفناء الحقيقي لا وجود له"بل الفناء الصوري تمام الوظيفة وترخيص له، إن الفاني يفنى بوجه ويبقى بوجوه غير محصورة." (11)
وما دام الجسد باقيا، وإنما الذي يفنى هو اللباس، فلا وجه لأن يقال إن المعنى روح جسده اللفظ،
إذ"المعنى يبقى واللفظ يتبدل، واللب يبقى والقشر يتمزق، والجسد يبقى واللباس يتخرق"12 فالمعنى باق بقاء الجسد، واللفظ كاللباس متبدل، فهو إذن فان متخرق، إذ التبدل قرين الفناء.
ولكن بقاء الجسد لا يعني استقلاله عن مصدره، ولا أنه ملك للإنسان يتصرف فيه كما يشاء،"إن الجسد الذي هو منزلك عارية وأمانة. وأنت مسافر، ومحاسنك هذه موهوبة وسيئاتك مكسوبة. فلا بد أن تقول: له الملك وله الحمد ولا حول ولا قوة إلاّ بالله"13