الصفحة 1010 من 3036

وطبيعة الكلام تتحدد من داخل هذه الأمور الأربعة لا من خارجها، إذ لما ضل عنصر من هذه العناصر أو تخلف حضوره، أصاب الرسالة من ذلك تشويش كبير."فالكلام إن كان أمرًا ونهيا فقد يتضمن الإرادة والقدرة بحسب درجة المتكلم، فتتضاعف علويته وقوته"16 ومن هنا ضل بعض البنيويين الذين ما فتئوا يصرخون:"النص، ولاشي غير النص"معلنين موت المؤلف، وهم بذلك يجهلون حقيقة النص. إن النص ليس مجموعة من الألفاظ تربط بينها مجموعة من العلاقات اللغوية والصرفية والتركيبية والدلالية والإيقاعية فحسب، ولكنه فوق ذلك وقبله وبعده تلك العناصر الأربعة المذكورة آنفا، إذ بدونها يصبح النص شيئا سديميا يسبح في المجهول، متجها نحو المجهول. إن موت المؤلف - كما نادى بذلك بعض البنيويين - يعني موت النص نفسه. إن النص لا يكتسب وجوده ودلالته وفاعليته إلا بالمرسل والمتلقي والمقام والمقصد. فالنص الواحد تختلف دلالته باختلاف المقصد واختلاف المقام، حتى وإن لم يتغير المتكلم والمخاطب. وقد يكون المقام واحدا والمقصد واحدا، ولكن نفسية المخاطب تتحكم في توجيه النص وتحديد المراد، وحديث:"لا يصلين أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة"17شاهدٌ قوي في هذا المقام على ذلك.

أما إذا تغير المتكلم والمخاطب، كأن يصير المتكلم مخاطبا والمخاطب متكلما، فإن النص - وإن لم تتغير ألفاظه، ولم يتغير نظمه، بتعبير - عبد القاهر- تتغير دلالته، أي إنه يكف عن أن يكون هو ويصبح غيره. إن تغير المخاطب يقتضي، في كثير من الأحيان، تغير الدلالة. وقد نبه البلاغيون إلى شئ من هذا وهم يتحدثون عن بعض الأوجه البلاغية، فكشفوا عن تغير الدلالة بتغير المرسل والمرسل إليه، ولذلك ميزوا بين الأمر الحقيقي والأمر المجازي، وأدخلوا في صيغ الأمر المجازية الدعاء والتوسل والالتماس وغيرها.

ثم إن الكلام يكتسب مكانته من المتكلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت