فهرس الكتاب
يرى النورسي أن الخيال أوسع حواس الإنسان، (37 ) ومع ذلك فإن"الخيال لا يحيط بالعقل وثمراته" (38) ومن هنا فإن مجال الخيال غير مجال العقل، والخيال قد يكون غير منضبط بشيء إلا أنه يملك القدرة على السباحة خارج العالم العقلي، فإذا هو لم ينضبط بضابط، ولم يستر بنور، ضل ضلالا بعيدًا، إذ بالرغم من انطلاقه ذاك إلا أنه - لعدم انضباطه - لا يكون وسيلة من وسائل إدراك الحقائق."إن حقائق الآيات أوسع بمراتب من خيالات الشعراء، فتنزهت عن الشعرية (39) . ومن هنا يمكن التمييز بين الخيال المذموم والخيال المحمود، ما دام"لكل فرد من حواسه ـ ظاهرا وباطنا ـ عبادة تخصه، وضلالة تفسقه. فكما أن سجدة الرأس لغير الله ضلالة، كذلك سجدة خيال الشعراء بالحيرة المفرطة والمحبة الوالهة في مدح غير الله - لا بحساب الله - أيضًا ضلالة يفسق بها الخيال، وقس على الخيال إخوانه" (40) . إن النورسي لا يعدو هنا هدي القرآن الكريم في التمييز بين شعراء الضلالة الذين نرى أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون، فهم بذلك في ركوب الخيال السقيم مفرطون، وبين شعراء الهدي الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا فالتزموا بالحق لا يعدونه، دون أن يقوم الحق حاجزا بينهم وبين التحليق الذي هو من صفات الخيال، بل إن هؤلاء، لإيمانهم بعالم الغيب وعالم الشهادة، يدركون ما لا يدرك غيرهم، ونستعيد هنا عناصر البيان الأربعة التي اشترطها النورسي، ونحن نستحضر موقف النبي صلى الله عليه وسلم من النابغة الجعدي حين أنشد:"
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا