الصفحة 1018 من 3036

فكأن خياله - ظاهرا - قد اشتط به شططا جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إلى أين يا أبا ليلى؟"فيجد الشاعر لنفسه مخرجا لطيفًا ما كان ليتأتى لشاعر لا يؤمن بالغيب، ويقول:"إلى الجنة بك يا رسول الله!"فيقول عليه السلام، مانحا الشاعر وساما لم يحلم به شاعر:"نعم، إن شاء الله".

الشعر والغموض (41)

إذا كان البيان فضيلة، يستوي في ذلك الشعر والنثر، فإنه قد سبق أن للشعر لغة خاصة ترقى به عن مستوى الدهماء، وان هذه اللغة من أجل ذلك لا تخلو أحيانًا من الغموض، ولكنه يظل غموضا مستساغا ما بقي شفافا يفتح لك الآفاق، ويتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب، عن طريق صفاء الروح المستتر بالوحي المستدل به.

ولما كان الأمر كذلك لم يكن من المستغرب أن تأتى بعض نصوص النورسي يحيط بها بعض الغموض الذي لم ينكره بديع الزمان، بل راح يشرح موقفه منه ويبين أسبابه، وقد قدم لذلك ثمانية أسباب، كان من أغربها وأشدها إثارة أنه إنما يخاطب نفسه الدساسة"وهي تفهم بسرعة أجوبة أسئلتها ولو بالرمز". ومن هنا كثر استعمال الرمز عند النورسي، دون أن يتحول هذا الرمز، كما سنرى، كهفا مغلقا لا سبيل إلى كشف أسراره.

والأمر الثاني أن ما دوّنه ليس غير فيض من فيوضات القرآن الكريم التي انفتحت له أسراره أثناء معاشرته المستمرة لكتاب الله تعالى، فكأن الاقتراب من تلك الفيوض يقتضى ملازمة خاصة للقرآن الكريم.

وأما الأمر الثالث فهو أنه يتجنب زخرف القارئ أو تبسيطه إرضاء للقارئ"فكما لا قيمة لنفسي حتى أبتهج متصنعا بما يظن محاسن وهي في الحقيقة مساوئ، كذلك لا أقيم لنفس غيري المتكدرة بالأنانية أيضًا وزنا".

ثم إن حديثه حديث القلب أكثر مما هو حديث العقل. وحديث القلب بحاجة دائما إلى نوع من المشاركة الوجدانية، وتذوق القلوب مما لا يتيسر لكل أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت