الصفحة 1022 من 3036

وكما يحتاج الشعر إلى أن تكون مغامرته وسعيه إلى الكشف منضبطا بما لا ينافي الحقيقة المطلقة، فكذلك التصوف، لا بد فيه من ضوابط وإلاّّ زاغ وضل وما اهتدى. الدهشة في الشعر وفي التصوف ليست غاية. إنها لحظة من اللحظات التي تقوم معلما على أن الطريق مستقيم، ولذلك فهي ليست غير مظهر من مظاهر التجربة، وعرضا من أعراض الطريق. حين تصير الدهشة هدفا، والحيرة مطلبا يفقد الشعر، كما يفقد التصوف، جوهره وصفاءه، ويصير لعبة وتسلية قد تروع بعض الوقت ولكنها لا تلبث أن تفقد بهاءها ورونقها وجاذبيتها أيضًا. وإذا كان الأمر كذلك فان التصوف، إن استقام، كان للشعر معينا، وان هو انحرف عن الطريق صار عبثا وبهرجا لاغيا.

ولأن التصوف فناء عن الذات فلا ينبغي أن تظل التجربة الذاتية تجربة فردية، بل لا بد من العمل على إعطائها جوهرها الإنساني وذلك بأن يكون للذات الجماعية حضور في الهدف."قد تسد الصوفية المسيحية حاجة إيليوت الفردية الخاصة، يجوز ذلك، غير أنها تترك المشكلة العامة، مشكلة نخر الإنسان، دون أن تمسها في قليل أو كثير" (46)

وكذلك الشأن في الصوفية الإسلامية، لا بد من التمييز بين التصوف السوي والتصوف المنحرف، ولابد للمتصوف من أن يمتلك موازين يزن بها مشاهداته ، حتى يدرك الهدي من الضلال.

وهذا ما نبه إليه النورسي حين قال عن الإشراقيين الذاهبين إلى بواطن الأمور، والروحانيين النافذين إلى عالم الغيب:"إنهم لا يحيطون بالحقيقة المطلقة بأنظارهم المقيدة، بل إنما يشاهدون طرفا منها فيتشبثون به وينحبسون عليه ويتصرفون فيه بالإفراط والتفريط.. فتختل الموازنة ويزول التناسب."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت