فهرس الكتاب
مثلهم كمثل غواصين في البحر لكشف كنز متزين ممتلئ بما لا يحصى من أصناف الجواهر، فبعض صادف يده ألماسا مستطيلا مثلا، فيحكم بان الكنز عبارة عن الماس طويل، وإذا سمع من رفقائه وجود سائر الجواهر فيه يتخيلها فصوص ألماسه، وصادف آخر ياقوتا كرويا وآخر كهربا مربعا وهكذا. وكل واحد يعتقد مشهوده جرثوم الكنز ومعظمه، ويزعم مسموعه زوائده وتفرعاته، فتختل الموازنة ويزول التناسب، فيضطرون للتأويل والتصلف والتكلف حتى قد ينجرون إلى الإنكار والتعطيل. ومن تأمل في آثار الإشراقيين والمتصوفين المعتمدين على مشهوداتهم بميزان السنة لم يتردد فيما قلت". 47"
والشاعر وإن كان، مثلما قال حازم القرطاجني، لا ينظر إلى شعره من حيث هو صدق أو هو كذب، ولكن ينظر إليه من حيث هو كلام مخيل، إلا أنه سبق القول أن الخيال الخصب هو الذي لا يتعارض مع الحقائق الكونية الكبرى، وان الشعر لذلك يمكن أن يكون أهم من الفلسفة وأكثر حقيقة من التأريخ، على مذهب أرسطو. ولهذا لا بد أن يكون حس الشاعر يقظا، وأن تكون أذنه الباطنة مرهفة، وأن يكون ذهنه متقدا، فلا تختلط عليه الأمور، أليس الشعر، كالتصوف، سفرا جميلا ومتعبا في آن واحد؟"إن المسافر كما يصادف في سيره منازل، لكل منزل شرائط تخصه.. كذلك للذاهب في طريق الله مقامات ومراتب وحجب وأطوار، لكل واحد طور يخصه، من خلط غلط، كمثل من نزل في قرية إسطبلا سمع فيه صهيل الفرس، ثم في بلد نزل قصرًا فسمع ترنم العندليب، فتوهم الترنم صهيلا، وأراد أن يستمع منه صهيل الفرس مغالطا لنفسه" (48)
الشعر والرمز: