فهرس الكتاب
الرمز من الأساليب الشعرية المعروفة. وأساليب الرمز كثيرة. ولعل احتفال الشعر بالصورة وجه من أوجه الرمز. والصورة في أدنى مراتبها تعتمد الصيغ البيانية الأولى، كالتشبيه ثم الكناية ثم الاستعارة بضروبها المختلفة كصورة أعلى من صور البيان، حتى إن من النقاد من جعل الاستعارة شرطا في الشعر، فعليها مدار القول. ومن الرمز قريب وبعيد. قد يكون الرمز مجرد لمعة عابرة، وقد يفتح للنظر آفاقا لا تكاد تحد، بيد أنه قد يتحول إلى فعل شبيه بفعل الحواة، لا يبغي غير التحير.
وحين يستعمل النورسي الأسلوب الرمزي لا يضل قارئه ولا يتركه في متاهة، بل هو يأخذ بيده في رفق إلى نور الحق حتى تتكشف عن بصيرته غشاوة الضلالة والأوهام. فالرمز إذن ليس هدفا بل هو وسيلة من وسائل التعبير التي لا ينبغي أن تعدو مهمتها. فانظر إليه - إن شئت- وهو يقول:"كيف السكون إلى الدنيا والفرح بها" (49) ، فإنك سوف تحس أنه ينعي الإقبال على الدنيا، ولكنك تتساءل: ولكن بالوجه الثالث؟ وكم للدنيا من وجه؟ وما دلالة كل وجه؟ إن التحير من مقومات الكشف، لأنه يفتح باب الأسئلة التي هي أسئلة حرجة من دون شك، إلا أن قيمتها تنبع من أنها أسئلة حقيقية. إن هذا التحير إذن ليس غير مرحلة في الطريق، ولذلك يجئ الجواب بعد ذلك سهلا رخاء فيقول:"إن الدنيا لها وجوه ثلاثة:"
وجه ينظر إلى أسماء الله.
ووجه هو مزرعة الآخرة.. فهذان الوجهان حسنان.
والوجه الثالث: الدنيا في ذاتها بالمعنى الأسمي، مدار للهوسات الإنسانية ومطالب الحياة الفانية.
أنا ركبت نقطة ميتة، وتركبني جيفة ميتة. ويومي تابوتي، بين أمس وغد قبري أبى وابنه، فأنا بين تضييق ميتتين وضغطة القبرين. إلا أن الدنيا من جهة أنها مزرعة الآخرة والنظر إليها بنور الإيمان تصير كجنة معنوية".50"