فهرس الكتاب
ولما كانت لغة الرمز قاسما مشتركا بين الشعر والتصوف، كانت أسلوبا أثيرا عند النورسي، إن الرسالة الرابعة التي هي:"قطرة من بحر التوحيد"ولاسيما"ذيل القطرة"، نمط رفيع من الأدب الإيماني الرمزي. والرمز هنا ليس تعبيرا مسطحا بالاتكاء على مجموعة من الأساطير الوثنية وحشرها داخل النص لتكون حلية له، حتى وإن تجافت عن روحه، وبرئت من محيطه، كما هو شأن كثير من النصوص الشعرية الحديثة التي يكاد الرمز فيها يكون مجرد زينة خارجية، وذلك بحشر مجموعة من الإشارات التاريخية أو الأعلام ..، دون أن يكون لها صلة ما بالتجربة الشعرية. إن النورسي يبدع رمزه الشفاف الذي لا يعتمد إسقاط الإشارات على النص بقدر ما يعتمد تجديد الرؤية التي هي رؤية قلبية قبل أن تكون رؤية بصرية، رؤية كتلك التي مرت يوما بخاطر شاعر قديم في لحظة صفاء روحي هاربة فقال:
وما كانت وإن رفعت سناها ليبصر ضوءها إلا البصير
والرمز عندئذٍ يصبح أداة من أدوات تقريب الحقائق إلى النفوس، لا أداة تشويش، وإيجاد نوع من الانسجام والتناغم بين الظاهر والباطن، وليس الرمز نفيا للظاهر، باعتباره طعام الدهماء وشرابها، وتعلقا بباطن موهوم، كما يذهب إلى ذلك من يزعمون أنهم أهل باطن، من القدماء والمحدثين، ومن الشعراء والمتصوفة على السواء، إذ في ذلك النفي تعطيل للحقيقة، وإن زعم زعماؤها غير ذلك وقالوا:"تفتح التجربة الصوفية أفقا آخر لهذه الكتابة"أي الكتابة القرآنية"في قراءتها وفهمها. وهي تعطي للنص القرآني أبعادا غنية ومتنوعة"51