الصفحة 1026 من 3036

إن الرمز، كما يفهمه النورسي وكما تجلي في أدبه، رمز شفاف ينطلق من رؤية تقيس الأمور بذلك الخيال المحمود الذي ينطلق إلى عالم أثيري يجمع بين نورانية الغيب ووضوح الشهادة، فيزيدك تعلقا ببهاء الحق، فلنصغ إلى أول رمز من"ذيل القطرة":"إن الصلاة في أول الوقت، والنظر إلى الكعبة خيالا مندوب إليهما، ليرى المصلي حول بيت الله صفوفا كالدوائر المتحدة المركز، فكما أحاط الصف الأقرب بالبيت، أحاط الأبعد بعالم الإسلام، فيشتاق إلى الانسلاك في سلكهم، وبعد الانسلاك يصير له إجماع تلك الجماعة العظمى وتواترهم حجة وبرهانا قاطعا على كل حكم ودعوى تتضمنها الصلاة". 52

هكذا إذن ينطلق النورسي بقارئه، من موضوع اعتاد أن يتلقى الحديث عنه بأسلوب تقريري، صادق ولكنه صارم، إلى ان يتلقاه بأسلوب يخاطب العقل والشعور والوجدان، يجمع بين صرامة الفكر ونداوة الشعر، وذلك مدخل عجيب إلى شعرية النص عند النورسي، بديع الزمان.

"إن الرموز التي دارت في بعض أنواع النثر، يمكن أن ينظر إليها بوصفها رموزا شعرية، بشرط أن نتجاوز في هذا القول الاختلاف النوعي، من حيث الشكل والإيقاع، إلى الماهية العامة لفن القول من حيث إنه استعاري وتسمية مجازية للأشياء"53.

ورمزية النورسي الشعرية إن كانت تلتقي من وجه - كما سنرى - مع بعض الشعراء، إلاّ أنها تختلف معهم من وجوه، حين يحرص النورسي على التصريح في أكثر من موضع - بأن كشفه يستند على المشاهدة، لا على التهويم، إلاّ أن هذه المشاهدة قلبية معنوية، لا عينية مادية. يقول:"ثم قد شاهدت في سياحة تحت الأرض المعنوية وفي باطنها حقائق"54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت