فهرس الكتاب
ويحدثنا النورسي عما لقي في طريق المشاهدة فيقول:"أيها الناظرون! إني قد ساقني القدر الإلهي إلى طريق عجيب، صادفت في سيري مهالك ومصائب وأعداء هائلة، فاضطربت، فالتجأت بعجزي إلى ربي.. فأخذت العناية الأزلية بيدي.. فما كتبت إلاّ ما شاهدت"55 ونظرا لما يمكن أن يسبق إلى ذهن القارئ المتعجل من معان، قد لا تدل عليها الرموز التي يختارها بديع الزمان بعناية، فإنه يدعونا إلى أن نقرأ بدقة ما يكتب كي تقر أعيننا56.
ولكن هذه المشاهدة وإن كانت معنوية، إلا أنها مشاهدة واعية لا يغيب فيها الشاعر عن عقله، ولا يدعي غيبوبة عن الخلق لرؤية الحق:"هكذا شاهدت، وعقلي معي"57.
على أن حضور العقل شئ وحضور النفس الأمارة شئ آخر. إن الاختراق بحاجة دائمة إلى التجرد، وأول منازل التجرد التجرد من حظ النفس واهوائها. إن تحقق الوجود يكمن في انعدام الوجود. وهنا يلتقي النورسي مع محمد إقبال في أن تحقق الذات"خودي"يلتمس عن طريق نفي الذات"بى خودى"."فإن أحببت الوجود فانعدم لتجد الوجود"58 ولعل جلال الدين الرومي كان يرمي إلى شئ من هذا حين قال:
لا تظن أنى أقول هذا الشعر بذاتي
فطالما أنا على وعي ويقظة لا أنبس بكلمة. 59
إذ حضور العقل إن كان لا بد منه، وهو أمر مسلم به، مدعو إلى أن يعرف طبيعة رسالته وحدوده حتى يتمكن من الاغتراف من نور الحق، هذا الاغتراف الذي يكون في منطلقه نوعا من الاحتراق:
أنت أيها العقل مثل الماء، فانأ عن دارنا
أو فأقدم لتغلي معنا في قدرنا. 60
قدر العقل إذن هو أن يغلي في قدر المحبة لإدراك المعرفة.
العقل قرين الفلسفة والحكمة، ولكن الحق بحاجة إلى القلب ليبلغ أقصى درجات تجلياته، وينتقل من المحدود إلى المطلق، إنه بحاجة إلى الحرقة ليبلغ درجة الكمال: الشعر.
الحق بدون شبوب العاطفة حكمة
ويصير شعرا إذا استمد الحرقة من القلب61
الشعر إذن أعلى درجات الحكمة، إنه حكمة وزيادة.