الصفحة 1028 من 3036

لم يكن النورسي شاعرا، بالمعنى التقليدي للكلمة، يقدم لنا قصائد موزونة في أوزان مخصوصة (62) إلا أنه كان يمتلك كل الأدوات الشعرية، ويصوغ أدبه الإيماني صياغة شعرية تهز الوجدان وتطرب السمع وتحرك الشعور وتوقد الذهن وتعطي الخيال فرصة السباحة في عالم لا متناه.

رمزية العندليب والوردة:

كثيرا ما كان النورسي يغترف رموزه من ذات نفسه، غير متوكئ على أحد، إلا أن هذا لا يمنع من أنه كان يلتقي مع كثير من شعراء الرمز، فيغرف مما يغرفون، إذ الرمز الواحد قادر على أن تتجدد دلالاته، وذلك حين يتوفر له المنقاش الخاص والأزميل المتميز. ورمز"العندليب والوردة"من الرموز المتداولة في الآثار المشرقية، عند الفرس والعرب والهند. وهذه الرمزية قد تأتى أحيانا مفصلة، وقد يكتفى فيها باللمح والإشارة. والعندليب"البلبل"فيها هو العاشق المتيم، و"الوردة"هي المعشوق العلوي. العندليب هو المريد والوردة هي الحقيقة المنشودة التي يكابد العاشق المريد من أجلها الأهوال، ويركب إليها طريق الجذبة ومسالك الأحوال. فمن الشعراء الذين ترددت عندهم هذه القصة، إما عرضا وإما بنوع من التفصيل، شاعر الإسلام في الهند محمد إقبال الذي يقول في قصيدته:"صدر الشاعر":

صدر الشاعر مجلى سر الحسن

تشرق من سينائه أنوار الحسن

من نظرته يزداد العذب عذوبة

والطبيعة من سحر بيانه أقوى فتنة

ومن نفثاته تعلم البلبل التغريد

ومن خضاب دمه اشتعلت وجنة الوردة (63)

إن هذه المجاورة بين البلبل والوردة في هذا النص ليست اعتباطية، إنها تؤول بها إلى رمزية القصة. فهذا هو البلبل يسفح دمه فداء للوردة،وهاهي ذي الوردة تشتعل وجنتها من خضاب دمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت