الصفحة 1029 من 3036

ولكن ليس هذا فحسب، بل إن الشاعر هنا هو الذي علم البلبل، ذلك العاشق المسكين، أصول التغريد، وما ذلك إلا لأن الشاعر اكتوى بنار العشق الحقيقية، حين آنس من طور سيناء نارا، ومنذ ذلك الحين صار يحمل في صدره تلك النار المباركة التي صار لها في كل ما تمسه ذلك الأثر العجيب.

وفي قصيدة:"كلمة الحب"تظهر قصة العندليب والوردة مرة أخرى، حين يقول محمد إقبال:

تلك الكلمة جذوة القلب، هي سر ولا سر

أفضيت بها إليك، فمن ذا استرق السمع؟ ومن أين سمع؟

قد سرقها الطل من السماء، أفضى بها إلى الوردة،

وسمعها البلبل من الوردة، وحملتها الصبا من البلبل.64

إن الذي بين البلبل والوردة لم يعد سرا. إنه خيط من النور البهي يصل بين السماء والأرض.

يتناول النورسي، في آخر المثنوي، قصة العندليب والوردة فيشرح فلسفتها، ويجمع صورة الشعر وبهاءه إلى دقة الحكمة وبيانها، فيقول:

"إن العندليب المشهور بالعشق للورد يستخدمه فاطره الحكيم لإعلان المناسبة الشديدة بين طوائف النبات وقبائل الحيوان. فالعندليب خطيب رباني من طرف الحيوانات - التي هي ضيوف الرحمن ـ وموظف لإعلان السرور بهدايا رازقها،ولإظهاره حسن الاستقبال للنباتات المرسلة لإمداد أبناء جنسه، ولبيان احتياج نوعه البالغ ذلك الاحتياج إلى درجة العشق، على رؤوس جميلات النباتات، ولتقديم ألطف شكر في ألطف شوق لجناب مالك الملك ذي الجلال والجمال والإكرام"..65

هذا الخطيب الرباني، الذي هو العندليب، ليس غير وجه من أوجه مظاهر التسبيح الكوني، إذ سيصير لكل نوع من المخلوقات عندليبه يعلمه كيف يعلن عن مظاهر الإنعام الأزلي الذي ينعم به خالق الكون على الكون وما فيه من مخلوقات، وكيف يجعل التسبيح طريقا إلى ذلك، ولا تزال منازل العنادل تترقى حتى يكون في الذؤابة منها سيد الخلق المصطفى عليه الصلاة والسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت