فهرس الكتاب
"ولا تحسبن أن هذه الوظيفة الربانية في الإعلان والدلالية والتغني لذوي الأسماع بهزجات التسبيحات مخصوصة بالعندليب، بل كل نوع له عندليب يمثل ألطف حسيات ذلك النوع بألطف تسبيح.. وأفضل جميع الأنواع وأشرف عندليبها وأنورها وأبهرها وأعظمها وأكرمها وأعلاها صوتا وأجلاها نعتا وأتمها ذكرا وأعمها شكرا، عندليب نوع البشر في بستان الكائنات، حتى صار بلطيفات سجعاته بلبل جميع الموجودات في الأرض والسموات، عليه وعلى آله وأمثاله أفضل الصلوات وأجمل التسليمات. آمين"66
رمزية المرآة:
اللجوء إلى صورة المرآة واتخاذها رمزا أمر معروف تداوله الفلاسفة واستعمله الشعراء منذ القديم، وقد رأينا من قبل دلالة المرآة في مجال تحديد ماهية الشعر وطبيعته منذ أفلاطون حتى النورسي. إن المرآة تعكس الحقائق والجواهر في بعض الأحيان، ولكنها لا تعكس غير الصور والأعراض في أحيان أخرى.
وقد عرض الشعراء المتصوفة لهذا الرمز، واستعملوه، إما بدلالات قريبة وإما بأخرى بعيدة. إن المرآة لا تعدو أن تكون أحيانا جسرا إلى معرفة الذات، كما قال:
نظرت إلى نفسي في المرآة
ومن المشاط سمعت مئات العظات.67
غير أنها قد تصبح مظهرا من مظاهر تجليات العالمين الأصغر والأكبر، ومنازلهما وما بين تلك المنازل من درجات.
وقد وجد الشعراء في بعض الأحاديث النبوية الشريفة ما يؤيد هذا الاستعمال، من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"المؤمن مرآة أخيه"، وقد امتصه جلال الدين الرومي في إحدى مثنوياته، وقد اختار لها"المرآة"عنوانا. قال جلال الدين:
يا من تشاهد الظلم ساندا بين الناس
إن محنتك من محنتهم،يا هذا،
ففيهم يتراءى وجدك أنت،
من نفاق وظلم وعربدة.
إن ذاك الإنسان هو أنت،
وذاك الأذى إنما تمارسه بنفسك،
وحق أن تلعن في تلك الساعة نفسك.
ألا ترى عيانا هذا الشر من ذات نفسك؟
وإلا فأنت، إذن، عدو ذات نفسك.
فالمؤمنون بعضهم لبعض مرآة،
كما ورد في الخبر عن النبي 68