الصفحة 1031 من 3036

غير أن المرآة لا تصبح أداة تعكس الأشياء والصور والحقائق فحسب، بل يقع - عند بعضهم- نوع من الاتحاد تنعدم معه الحدود بين العاكس والمعكوس، وما يترتب عن فعل الانعكاس نفسه من فيوض، كما قال ابن أبى الخير:

إنى أنا وحدي العاشق والمعشوق والعشق في منتهاه

وإني أنا وحدي العين المبصرة والجمال الزاهي والمرآة.69

وقد راقت صورة المرآة، بدلالاتها، بديع الزمان، فاستعملها كثيرا، ومنهجه في ذلك أن يسوق الصورة التي يريد من عالم الشهادة، لتتفتح بعد ذلك بصائر الناس وترى ما ترمز إليه تلك الصورة في عالم الغيب، ومن ذلك قوله:

"اعلم يا قلب، أن الأبله الذي لا يعرف الشمس إذا رأى في مرآة تمثال شمس، لا يحب إلا المرآة ويحافظ عليها بحرص شديد لاستبقاء الشمس، وإذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة ولا تفنى بانكسارها، توجه بتمام محبته إلى الشمس؛ إذ ما يشاهد في المرآة ليس بقائم بها، بل هو قيومها. وبقاؤه ليس بها، بل بنفسه.. بل بقاء حيوية المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتها، إذ هو قيومها. يا هذا، قلبك وهويتك مرآة. فما في فطرتك من حب البقاء ليس لأجلها بل لأجل ما فيها"70

فالمرآة إذن عاكسة للحقائق، هنا، لا للأوهام، إلا أن التعلق لا ينبغي أن يكون بما تعكسه المرآة بل بما يدل عليه ما تعكسه، لأن العاكس والمعكوس في نهاية الرمز معرضان للفناء، ولا يبقى إلا الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت