فهرس الكتاب
وفي"مدينة العشق"يطلق جلال الدين الفكر من أسر التأويل الحسي المحدود ليجوب الآفاق سعيا نحو عالم لا يحد فيقول:
قال معشوق لعاشق: أيها الفتى
أنت قد رأيت في غربتك مدنا كثيرة
فخبرني: أية مدينة من هذه أطيب؟
فأجاب: تلك المدينة التي فيها من اختطف قلبي
وإنه لأطيب من الدارين ذاك المكان
حيث أنال فيه سؤلي"يا إلهي"بحضرتك!73
لقد كان تشبيه المعشوق بالشمس أمراّ مألوفا عند الشعراء المتصوفة الذين أضفوا على الشمس تلك الهالة الأسطورية التي تريد أن تجعل منها رمزا يشير إلى الجمال المطلق، وإلى الجلال المطلق كذلك. فهذا ابن عربي، الشيخ الأكبر كما يسميه المتصوفة، يولع بذكر الشمس، ويجد في هذا الرمز ملاذا لبث أشواقه، والتعبير عن مواجده وشطحاته، وهي شمس لا كالشموس، يقول عنها الشاعر:
أليس مطلعها قلبي ومغربها قلبي، فقد زال شؤم البان .. والغرب 74
ويقول أيضا:
وقالوا الشموس بدار الفلك وهل منزل الشمس إلا الفلك
إذا قام عرش على ساقه فلم يبق إلا استواء الملك 75
لم تكن الشمس منطلقا إلى المرأة المثال عند ابن عربي، بل لقد كانت المرأة هي المنطلق إلى الشمس، ومن ثم إلى الجمال الأزلي.
لقد ألح ابن عربي على هذا المعنى، وكان تعلقه بابنة شيخ له تلقب بعين الشمس والبهاء، فاتخذ منها رمزا لأشواقه الصوفية، وابن عربي يصف بنت شيخه أبى شجاع زاهر بن رستم بن أبى الرجا الأصفهاني هذه، في مقدمة"ترجمان الأشواق"ويقول عنها إنها"شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء"76
لقد استعمل النورسي الشمس في رموزه كثيرا، كما سلف الذكر 77، إلاّ انه لا يقف به حيث وقف به سابقوه، ولا يستهويه ربطه بالمرأة، وبالأنوثة بصفة عامة، بل يتجه به مباشرة إلى كل جميل جمالا أزليا، وكل جليل جلالا مطلقا، إذ هو دائم التعلق بالباقي، محترز من التعلق بالفاني.