الصفحة 1046 من 3036

على أن النورسي يضيف أمرًا بالغ الأهمية، وما رأيت أحدًا سبقه إليه، وهو أن الترجمة حين تتعلق بالقرآن الكريم لا تبقى محصورة في الألفاظ والمعاني، بل في أمر آخر لطيف وهو يتعلق بالتكرار أيضًا، ولكنه تكرار من نوع جديد: إنه تكرار التلاوة، هذا التكرار الذي يعطي صاحبه دفقًا شعوريًا إيمانيًا لا تحققه أي ترجمة، ذلك بأن التلاوة حينئذ تتناول كلام الله عز وجل، فتنشأ عن تلك التلاوة فيوض من البركات، أنى لجزء منها أن يتحقق خارج تلاوته كما أنزل، بلسان عربي مبين؟ إن تلك التلاوة تتجاوز اللفظ، الذي هو صورة للمعنى، وتتجاوز المعنى، إلى شئ آخر لا تتحقق منه إلاّ لطائف الروح، وذلك كله يزداد تحققا بالتكرار، ويحدثنا النورسي عن تجربته الخاصة فيقول: "عندما كنت اقرأ يوم عرفة سورة الإخلاص مائة مرة مكررا إياها باستمرار لاحظت: أن قسما من حواسي الروحية اللطيفة، بعدما أخذت غذاءها بالتكرار قد ملت وتوقفت، وأن قوة التفكير فيّ قد توجهت إلى المعنى، فأخذت حظها، ثم توقفت وملت. وأن القلب الذي يتذوق المعاني الروحية ويدركها، هو أيضًا قد سكت، بعدما أخذ نصيبه من التكرار.

بينما بالمواظبة والتكرار المستمر على القراءة رأيت أن قسما من اللطائف في الكيان الإنساني لا يمل بسرعة، فلا تضره الغفلة التي تضر قوة التفكير، بل إنه يستمر ويداوم في أخذ حظه بحيث لا يدع حاجة إلى التدقيق والتفكير في المعنى، إذ يكفيه المعنى العرفي الذي هو اسم وعَلَم، ويكفيه اللفظ والمعنى الإجمالي لتلك الألفاظ الغنية المشبعة، بل ربما يورث سآمة ومللا حينما يبدأ التفكّر يتوجه إلى المعنى، ذلك لأن تلك اللطائف لا تحتاج إلى تعلم وتفهيم بقدر ما هي بحاجة إلى التذكر والتوجيه والحث.

لذا فإن اللفظ الذي هو أشبه بالجلد يكفي لتلك اللطائف في أداء وظيفة المعنى، وخاصة أن تلك الألفاظ العربية هي مبعث فيض دائم، إذ تذكر بالكلام الإلهي والتكلم الرباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت