الصفحة 1058 من 3036

ذلك بأنه على الرغم من حرص بديع الزمان على تقريب معانيه إلى الإفهام، مما جعله يؤثر أسلوبًا تميز به، هو أسلوب الحكاية التمثيلية وضرب الأمثال، وأنه جعل الإبانة من أهم أغراض الرسائل، إذ"رسائل النور تؤدي هذه الوظيفة، وفي أحلك الحالات وأشدها رهبة، وفي أحوج الأوقات وأحرجها، فتؤدي خدماتها الإيمانية بأسلوب يفهمه الناس جميعا" (1) ،إلا أن الحديث عن البلاغة والأدب ليس ميسورًا فهمه دائمًا، وفي كل الحالات، لكل الناس، فلذلك جاءت بعض الفصول أو المقالات يشوبها بعض الغموض، مما جعلها بحاجة إلى شروح مفصلة. وهو أمر تنبه إليه البديع ودل عليه، وعلله بقوله:"اعلم يقينا أن هذه المقالة تبدو لك غامضة مغلقة، ولكن ما الحيلة؟ فإن شأن المقدمة الإجمال والإيجاز" (2) .

لم يجعل النورسي بينه وبين حضارة الغرب حجابا مستورا، يجعله يرفض كل ما يجئ من الغرب، فهو مطلع على تلك المدنية وأسرارها، ولكن تعامله معها كان تعامل الناقد البصير، لا تعامل الصبي الظمآن المنبهر أمامها، وعلى هذا لا يكون الأخذ عن الغرب محظورًا، إلا أن ذلك الأخذ يجب أن يحاط بشروط، أهمها عرض الفكر الوارد على منطق الشريعة، ومصفاة الإيمان:"إن نهر العلوم الحديثة والثقافة الجديدة الجاري والآتي إلينا من الخارج كما هو الظاهر، ينبغي أن يكون أحد مجاريه قسما من أهل الشريعة كي يتصفى من شوائب الحيل ورواسب الغش والخداع، لأن الأفكار التي نمت في مستنقع العطالة، وتنفست سموم الاستبداد، وانسحقت تحت وطأة الظلم، يحدث فيها هذا الماء الآسن العفن خلاف المقصود."

فلا بد إذن من تصفيته بمصفاة الشريعة" (3) ."

(1) - السيرة: التقديم

(2) - صيقل الإسلام: 111.

(3) - صيقل الإسلام: 530.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت