فهرس الكتاب
وهكذا فإن التجديد الأدبي عند بديع الزمان، خلافا للاتجاهات السائدة، لم يكن استنساخا للتجربة الأدبية الغربية، بقدر ما كان نقدًا للغرب. وقد كان هذا النقد، وما تلاه من تأسيس رؤية جديدة للأدب، نابعا من معاشرة القرآن الكريم، واستغناءً بأدب القرآن عما سواه.
لقد جاء القرآن الكريم معجزة بيانية، أي أدبية، فاستظلت بظله آداب الشعوب الإسلامية، فاكتسبت من أجل ذلك رونقا و بهاء، وعمقا وأصالة. ولما انحرفت عن صفاء ذلك النبع أصابها ما أصابها من ضمور وهزال . ويحدثنا بديع الزمان عن مظاهر ذلك الضمور وأسبابه فيقول أسفا:"إنه لما انجذب الأعاجم بجاذبية سلطنة العرب فسد بالاختلاط ملكة الكلام المضري، التي هي أساس بلاغة القرآن، إذ لما تعاطى الأعاجم والدخلاء صنعة البلاغة العربية حولوا الذوق البلاغي من مجراه الطبيعي للفكر هو نظم المعاني، إلى صنعة، وهو اللفظ" (1) ويعلل ذلك بقوله:"لأن مزاج الأمة مثلما أنه منشأ أحاسيسها ومشاعرها، فإن لسانها القومي يعبر عن تلك المشاعر ويعكس تلك الأحاسيس. وحيث إن أمزجة الأمة مختلفة، فاستعداد البلاغة في ألسنتها متفاوت أيضا، ولاسيما اللغة العربية الفصحى المبنية على قواعد النحو" (2)
وهكذا انتشرت العناية باللفظ وصار المعنى مسخرًا له"فاتسعت المسافة بين طبيعة البلاغة، وهي كون اللفظ خادما للمعنى، وصنعة العاشقين للفظ" (3) وقد ضرب لنا مثلا فقال:"فإن شئت فادخل في"مقامات الحريري"فإنه مع جلالة قدره في الأدب، قد استهواه حب اللفظ، وبذلك أخل بأدبه الرفيع، فأصبح قدوة للمغرمين باللفظ، حتى خصص الجرجاني-ذلك العملاق- ثلث كتابيه، دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، دواء لعلاج هذا الداء" (4) .
(1) - نفسه: 97.
(2) - نفسه.
(3) - نفسه 98.
(4) - نفسه 98.