الصفحة 1060 من 3036

وليس معنى هذا أن بديع الزمان ينتقص من قدر اللفظ، ويعتبره من فضول القول، أو ينتصر للمعنى وحده، وكيف يكون ذلك وهو المعجب بعبد القاهر الجرجاني، حتى وصفه بالعملاق؟ إلاّ أن اللفظ لابد أن يكون منسقا مع المعنى"نعم اللفظ يزين ولكن إذا اقتضته طبيعة المعنى وحاجته.. وصورة المعنى تعظم وتعطي لها مهابة، ولكن إذا أذن بها المعنى.. والأسلوب ينور ويلمع، ولكن إذا ساعده استعداد المقصود.. والتشبيه يلطف ويجمل ولكن إذا تأسست على علاقة المقصود وارتضى به المطلوب.. والخيال ينشط ويسيح ولكن إذا لم يؤلم الحقيقة، ولم يثقل عليها، وأن يكون مثالا للحقيقة متسنبلا عليها" (1) .

أسباب الانحطاط الأدبي ودواعي التجديد:

الألفة داء يحجب الجمال، والعادة ستار يحجب الأسرار، والأدب يعتمد المجاز، فيكون بذلك كشفا لما وراء العادة من أسرار، فإذا تحول المجاز إلى حقيقة فقد سحره، وانطفأ نوره.

وهكذا يتجدد الأدب بتجدد المجاز، أي بالعدول عن التعبير الحقيقي الكثيف، الذي إن صلح أسلوبا للإقناع والمناظرة لم يصح أسلوبا للإبداع الأدبي، إلى التعبير المجازي الشفاف. فإذا طال الأمد، وبدأ التعبير يفقد مجازيته شيئا فشيئا ويقترب إلى الحقيقة فقد رواءه و جماله، وانتكس الأدب .

"إذ المجازات والتشبيهات إذا ما اقتطعتهما يسار الجهل المظلم من يمين العلم المنور، أو استمرتا وطال عمرهما، انقلبتا إلى"حقيقة"مستفرغة من الطلاوة والنداوة، فتصير سرابا خادعا بعدما كانت شرابا زلالا، وتصبح عجوزا شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء" (2) فإذا آل الأمر إلى هذا الوضع صار التجديد حتما مقضيا، وصار الانكباب على التقليد نوعا من العي والعجز.

(1) - نفسه 98-99.

(2) - صيقل الاسلام: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت