الصفحة 1064 من 3036

وإذا كان الأدب والبلاغة، من حيث تأثير الأسلوب، يورثان إما الحزن وإما الفرح، فإن كلا الأدبين-القرآني والغربي- يورثان حزنا مؤثرا، أو فرحا مؤثرا، إلا إنهما لا يتشابهان. إن حالتي الحزن والفرح اللتين يتحدث عنهما بديع الزمان، هما حالتا القبض والبسط، بتعبير النقاد والفلاسفة المسلمين قديما (1) .

"إن آداب المدنية وبلاغتها مغلوبة أمام الأدب القرآني وبلاغته. والنسبة بينهما أشبه ما تكون ببكاء يتيم فقد أبويه، بكاء ملؤه الحزن القاتم واليأس المرير، إلى انتشاء عاشق عفيف حزين على فراق قصير الأمد، غناء ملؤه الشوق والأمل.." (2) .

"فما يورثه أدب الغرب هو حزن مهموم، ناشئ عن فقدان الأحباب، وفقدان المالك، ولا يقدر على منح حزن رفيع سام.. فهذا الشعور المليء بالأحزان والآلام يهيمن على كيان الإنسان، فيسوقه إلى الضلال، وإلى الإلحاد، وإلى إنكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة إلى الصواب، بل قد لا يعود أصلا."

أما أدب القرآن الكريم فانه يمنح حزنا ساميا علويا، ذلك هو حزن العاشق، لا حزن اليتيم.. هذا الحزن نابع من فراق الأحباب، لا من فقدانهم" (3) ."

وفي هذا الكلام رد على الذين يزعمون أن الأدب الإسلامي أدب مباشر لأنه مطمئن لا يستهلك أسباب التوتر، والأدب الرفيع لا يتولد عن التوتر.

إن توتر الأدب القرآني توتر بناء، لا يدمر صاحبه، وللنورسي قطعة فنية جميلة تعبر أصدق تعبير عن هذا المفهوم الذي يستل من قلب الليل نورا، ويوقد من الظلمات سراجا وهاجا. عنوان هذه القطعة: (الداعي) وفيها يقول:

قبري المهدم يضم تسعا وسبعين جثة لسعيد ذي الآثام والآلام

وقد غدا شاهد القبر تمام الثمانين

والكل يبكي معا لضياع الإسلام

فيئن قبري المليء بالأموات مع شاهده

وغدا أنطلق مسرعا إلى عقباي

وأنا على يقين أن مستقبل آسيا بأرضها وسمائها

(1) - انظر على سبيل المثال: منهاج البلغاء: حازم القرطاجني.

(2) - الكلمات: 476-477.

(3) - الملاحق: 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت