فهرس الكتاب
أما أجلى مظاهر الاختلاف بين الرجلين فمرده إلى ترتيب أولوية الموهبة عند كل واحد منهما، فمحمد إقبال شاعر أولا، فالشعر هو الغالب عليه، ولكنه رجل مفكر في شعره، فليس شعره بذلك الشعر الذي يعنى ببراعة التصوير ودقة التعبير، بمعزل عما يحمل ذلك الشعر من فكر صحيح وعقل راجح وقلب متقد، ولعل هذا سر انتشار شعر إقبال عالميا، فالشعرـ كما أشرت إلى ذلك في موضع آخر ـ حين يترجم يفقد عادة كثيرا من خصائصه، وقد أشار شيخ نقادنا القدامى، الجاحظ، إلى أن الشعر لا يترجم، لأنه إذا ترجم فقد ذلك المعجز الذي هو الوزن. ولكن شعر محمد إقبال لا يكتسب جماله من كونه كلاما موزونا مقفى فحسب، بل هو يكتسبه من ذلك القبس الرباني الذي يسري فيه، والعمق الإيماني الذي يتلبسه، والفكر المستنير الذي يسوقه وقد ألبسه ثوبا قشيبا من الخيال اللماح. فلذلك كله نقرأ شعر إقبال وقد ترجم من لغته، الفارسية أو الأوردية، إلى العربية مثلا، فيهزنا من الأعماق، ونستجيب له كما لا نستجيب لكثير من الشعر العربي السيّار في منابرنا الثقافية اليوم، ونحن نقرأه في لغته، لأنه كلام بارد غث فقد حرارة الإيمان وتوهج العاطفة. لقد خلف إقبال في مجال النثر والدراسة عددا من المحاضرات والدروس، من أشهرها محاضراته التي جمعت في كتاب عنوانه: (تجديد الفكر الديني في الإسلام) (1) ، ولكن فكر إقبال الأصيل المتفرد إنما يتجلى في شعره أولا. ولعل بعض المآخذ التي أخذت عليه كثيرا إنما كانت في تلك الدراسات النثرية لا في شعره. فأنت لا تجد في شعره إلا ذلك التدفق الإيماني المبشر بالإسلام والداعي في عمق إلى يقظة المسلمين، وليس الشعر مجالا للمجادلات الفلسفية والمناظرات
(1) لقد قام بترجمة هذا الكتاب إلى العربية الأستاذ عباس محمود، وراجع مقدمته والفصل الأول منه المرحوم عبد العزيز المراغي بك، وراجع بقية الكتاب الدكتور مهدي علام، وصدر عن مطبعة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة عام 1955.